الجمعة، 29 مارس 2013

معالم مدرسة اصولية جديدة


معالم مدرسةٌ أصوليةٌ جديدةٌ من حوزة النجف الأشرف مدينة الإبداع

بسم الله الرحمن الرحيم

    هذه سلسلة محاضرات منتقاة من أبحاث شيخنا الأستاذ آية الله الشيخ عَديّ الأعسم (حفظه الله) وقبل الدخول في هذه السلسلة من المحاضرات ينبغي التنبيه إلى أمور :
1
ـ أن سماحة الشيخ وإن كان يسير في بحثه وفقاً لتقسيم المباحث بالصورة التقليدية, إلا أن طبيعة الطرح تمتاز بالجدة والموضوعية والإبداع.
2
ـ يركز سماحته على المباني العامة والأسس العقلية التي ترتكز عليها المباني الأصولية والفقهية, ويناقش فيها ويتأمل حتى في بديهيات ومسلمات البحث الأصولي, ولا يخفى على كل باحث منصف أن هذا هو موضع الاجتهاد الحقيقي, وإلا لأصبحنا مقلدين وإن كنا مجتهدين بالمعنى الشائع والمتعارف.
3
ـ يحرص سماحته على الإنفتاح العلمي على منجزات العصر سواء في العلوم الإنسانية أو في العلوم التطبيقية, وهذا المبدأ يترجم من الناحية التطبيقية بما يأتي
أ ـ الإفادة من علوم الطبيعة في فك بعض أسرار النصوص الشرعية والعكس, فهو يربط بين كتاب الطبيعة المفتوح وكتاب الشرع (تراث الأديان) في علاقة جدلية متكافئة بحيث لا يغلِّب الكشوفات العلمية على النصوص ولا النصوص على الكشوفات, فلا يعطي أحكاماً قطعية بل يعتبر العلاقة من القرائن التي تساعد في فهم إحداهما تجاه الآخر.
ب ـ الإفادة من مناهج العلوم الإنسانية وخصوصاً الفلسفية والألسنية, فمما لا شك فيه أن البحث الفلسفي الغربي قد تقدم كثيراً في مجال المناهج (methodology) وفي مجال نظرية المعرفة (Epistomology) , فهو يحاول أن يؤصل لنظرية المعرفة والابيستمولوجيا في الدرس الأصولي, ومما لا شك فيه أن هذه المهمة عسيرة جداً لأنها سوف تقلب موازين هذا العلم وتجعلنا نعيد النظر في أغلب أسسه وقواعده العامة, وللإنصاف أن هذا هو المطلوب منا اليوم فعلم الأصول ومنذ صاحب الكفاية لم يتوسع عمودياً بل أخذ في السير أفقياً عن طريق توسيع المطالب وتفريعها وزيادة الفرضيات الترفيّة. والنتيجة أصبح علم الأصول يغوص في الجزئيات ويجتهد في الفرعيات إلا أنه مقلد في المباني العامة والأسس الفلسفية والفكرية التي يستند عليها أساس هذا العلم في وقت أن الشيخ قد أفرغ علم الأصول من المنطق الأرسطي الذي اعتمده الفقهاء والأصوليون أساساً لاستنباطهم الشرعي وحذف جملةً من المباني الأصولية وأبدلها بمبانٍ في غاية الجدة والإبداع أمكننا أن نقول معها أن الشيخ أتى بمدرسةٍ أصوليةٍ جديدة .


تأسيس الابستيمولوجيا في علم الأصول
لم يعقد شيخنا الأستاذ أبحاثاً خاصة وبعناوين مستقلة حول نظرية المعرفة( )بل يستنبط الآراء المعرفية من تضاعيف المسائل الأصولية فعندما يناقش في بحثه إحدى المسائل الأصولية المتعارفة ينتقل بعد تصوير المطلب وتحرير محل النزاع إلى الأسس العقلية العامة لتلك المسألة, ثم يناقش في تلك الأسس بأسلوب علمي تشكيكي نقضي وحلّي وهذا ما سنلاحظه في مسألة الخلاف بين الإخباريين والأصولين حول مسألة العقل.

بين الإخباريين والأصوليين (حجية القطع العقلي)
نسب إلى الإخباريين إنكار حجية القطع الحاصل من المقدمات العقلية وعدم عد العقل من الأدلة الشرعية( ) ويمكن إيجاز دعاواهم بما يظهر من كلماتهم بما يأتي:
1
ـ إنكار الملازمة بين حكم العقل و الشرع.
2
ـ عدم حصول القطع من المقدمات العقلية.
3
ـ منع الشارع من الرجوع إليها وإن حصل القطع منها.

والمتحصل من ذلك سقوط دليل العقل من الأدلة الشرعية الأربعة وصيرورتها ثلاثة بل واحداً لعدم أخذهم بالكتاب إذا لم تدل عليه سنة, وعدم اعتمادهم على الإجماع اذا لم يكن المعصوم أحد المجمعين.

وذهب الاسترابادي إيضاً إلى عدم حصول القطع من المقدمات العقلية وخلاصة دليله على ما نقله الشيخ الأعظم (قدس) في رسائله, أنه يقسم العلوم إلى ثلاثة أقسام باعتبار الحس مقسماً, فمنها ما يكون بالحس الصريح كالعلوم التجريبية, ومنها مايكون قريباً من الإحساس كعلم الجبر والهندسة وعلم المنطق في بعض أبوابه, ومنها ما يكون بعيداً عن الإحساس, كأغلب العلوم الإنسانية (وفقا للاصطلاح الحديث) كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وبعض أبواب المنطق.

ودليل الاسترابادي أن القسمين الأوليين لا يقع فيهما الخلاف بخلاف القسم الثالث الذي وقعت فيه الخلافات والمشاجرات لأنه بعيد عن الحس. ومن هنا ذهب الاسترابادي إلى أن الخلاف ليس في الصورة بل في المادة أيضاً فعاصمية المنطق هنا لاتجدي نفعا لأن دائرة الخلاف ترجع إلى المادة المستندة إلى البديهيات فلو كانت هذه البديهيات والفطريات لاخلاف حولها( ) كما هو المدعى من قبل الأصوليين إذاً من أين جاء الخلاف ؟ لأنه المفترض أن كل بناء نظري استدلالي برهاني يرجع إلى قاعدة بديهية لا خلاف حولها فيجب أن تكون كل النظريات متوحدة بلا خلاف. والحال أن الخلاف والاختلاف هو واقع الحال في جميع نظريات هذه العلوم بل أصبح ذكر الآراء الخلافية في كل مسألة من السنن المتعارفة في الدرس العلمي.

ومن هنا يصبح التساؤل مشروعاً بأنه إذا كانت القواعد العامة بديهية لا خلاف حولها فمن أين جاء الخلاف الذي نراه في أغلب العلوم النظرية ؟ وإذا كانت غير بديهية ومحطاً للخلاف فلا بد من عاصم غير المنطق (صناعة البرهان) ؟ فما هو هذا العاصم وما هي ضوابطه وحدوده؟
ومن هذا المنطلق أصبح من المشروع أن نناقش في بداهة البديهي وفي عاصمية المنطق وفي مسلمات البحث الأصولي ولو على نحو الإشكال النقضي: وهنا يتقدم الشيخ بهذه النقوض:

1
ـ إن أغلب البديهيات مبنية على دليل عدم إمكان التصور أي عندما يقع الفرض الفلسفي خارج حدود التصور نلجأ إلى تقنينه كقاعدة بديهية أو ندعي أنه مسلمة فكرية وإلا لتسلسل البحث عن أسبابها والحال (إن كل ما لا يُتصوَّر لا يدل على عدم الوجود أو الاستحالة) وفي هذا المجال هناك شواهد كثيرة من العلم الحديث وخصوصاً في علم الفلك على وجود ظواهر خارج حدود التصور ولكنها بنفس الوقت موجودة ومحدودة .

2
ـ في مجال بداهة مفهوم العلية يورد سماحته إشكالاً نقضياً لطيفاً ودقيقاً وخلاصته, أنه من المسلم به أن الكون (جواهر وأعراض) يمر بحالة من التغير (سواءً الظاهري أو الجوهري) وهذا التغير بمختلف أشكاله سواء كان نمو أو حركة أو زيادة أو نقصان يستلزم تغير في العلة الموجدة. ومن هنا نطرح هذا النقض وفقاً للهندسة النظرية فنقول (لو فرضنا أن هناك مربعاً مصنوعاً من الطين وأردنا أن نغير شكل هذا المربع الطيني إلى شكل هرمي فهناك احتمالات ثلاثة هي أما أن يتعاصر الشكلان، أو أن تكون هناك فترة زمنية لايكون فيها هناك مربعٌ ولا هرمٌ، أو يتعاصر إختفاء المربع مع ظهور الهرم، فإذا قلت أن الشكل بين المربع والهرم مستطيل فأيضاً سنقول هناك احتمالان أما أن يتعاصر الشكلان أو أن تكون هناك فترة زمنية لايكون فيها هناك مربعٌ ولا مستطيل أو أن يتعاصر إختفاء المربع مع ظهور المستطيل وهكذا بقية الأشكال.ومناقشة الإحتمالات: الأول متناقض لأننا نريد أن نحول أحد الشكلين إلى الآخر فتعاصرهما يلزم التناقض وعلى الإحتمال الثاني لابد أن يأخذ الطين شكلاً برزخياً (فاصلاً) قبل أن يتحول إلى هرم ومن هنا ننقل الكلام إلى هذا الشكل الجديد ولنفرض أنه مستطيل فنقول إن المربع لايمكن أن يتعاصر مع المستطيل لأنه يلزم التناقض إذن لابد من فترة زمنية تتخللهما وفيها يأخذ الطين شكلاً برزخياً ليس فيه شكل وهذا مستحيل وأما الإحتمال الثالث فيعني هبوط الطين وارتفاعه في الوقت نفسه وهذا محال هو الآخر.. والنتيجة النقضية (هي أن مفهوم العلية لا يفسر حالة التطور والتغير بصور بديهية واضحة فلا توجد علة متقدمة أو متأخرة ولا مقدم ولا تالي بل هناك حالة أشبه بحالة التعاصر)

3
ـ النقض حول مبدأ (الترجيح بلا مرجح) إن هذا النقض يفيد كثيراً من الكشوفات العلمية الحديثة( ) , فعلى سبيل المثال (اذا كان هناك صندوق وأردنا أن ندفعه إلى الأمام فيجب من الناحية الفيزيائية أن يدفع الصندوق الفراغ الذي أمامه لأنه إذا لم يدفعه يلزم أن يكون امتداد الصندوق هو امتداداً للفراغ بالوقت نفسه أو أن يكون هناك فجوة بين الصندوق و الفراغ وهذه الفجوة ما هي إلا العدم والعدم محال إذن لا بد أن يدفع الصندوق امتداد الفراغ, و امتداد الفراغ يدفع امتداداً آخر وهكذا تؤثر هذه الحركة على مجمل الكون وهذا الإندفاع المستمر سيحتفظ بنفس المقدار والقوة, وهذا الاندفاع هو طاقة حركية وهي أحد ألوان الكهرومغناطيسية التي تعد من القوى الأربعة والتي من ضمنها الجاذبية. وهذه الطاقة الحركية الكهرومغناطيسة لا تفنى ولا تستحدث بل تبقى موجودة أو قل مخزونة في الفضاء بفعل الحركة المتواصلة, وبما إن الفراغ متصل كاسطوانة متصلة بحيث إذا تحرك أوَّلها تحركت نهايتها في الوقت نفسه كحركة فورية, فاذا كانت الحركة آنية وفورية أصبحت جميع تضاعيف هذه الحركة متعاصرة بلا فاصلة لإن الكل يحدث في آن واحد ومن هنا يختفي مفهوم العلة والمعلول بسبب التعاصر, وبالتالي تبطل قاعدة الترجيح بلا مرجح( )

وفضلاً عما تقدم فإن الشيخ الأعسم يؤمن بضرورة أن يكون المجتهد موسوعياً فللشيخ بحوثٌ علمية نشرت في خارج العراق منها (نسق رياضي لتوحيد العلوم والإستنساخ الضوئي وفسلجة النعاس فضلاً عن سبقه لكثير من الأبحاث التي تلقى رواجاً غربياً قد ألمح لها الشيخ في مؤلفاته العديدة مثل نظريته (الإيقان القهري) التي سبق فيها الغرب الذين وجدوا في الآراء التي يؤمن بها الآخرون بتزايد وإصرار وإيمان مفرط سوف تتحول إلى واقع ملموس بما يمنح الأمل للبشرية قاطبةً وولتسليط اضوء على الإستنساخ اضوئي سننقل لكم قول الأستاذ الأعسم إذ يقول:
(
نظراً إلى أن الضَّوء إذا وفد على المنظر الطبيعي أو الوجوه الآدمية مثلاً فإنَّه ينعكس وفق معامل الإنعكاس كصور محلقة بعد أن توزَّع فيها الضَّوء الوافد على التركيب الذري لقشرة المنظر الطبيعي فطبع بطابعها كتركيب ذري مستنسخ باعتبار الفوتون من أساسيات الذرة فما أن يغادر هذا المستنسَخ كصور فإنَّهُ إذا صادفه لوحٌ أو حائطٌ فيه مثبتات الصور كنترات الفضة مثلاً فإنَّ هذه الصور المحلقة في الفضاء كطاقة متحركة معه يمكن إذا صادفتها جدران بها مثل هذه المثبتات عندئذٍ تنقلب إلى صور حسية منحوتة على الجدران وجاء إمداد إلهيٌّ تأييداً لما نقول إذ قال (ع) يتحدث عن مسجد السهلة (إن كلاً من الأنبياء والأوصياء صلّوا فيه وكانت طينتهم منه وحملت وجوههم زبرجدةٌ أو صخرةٌ منه) مضافاً إلى ذلك فإنَّ الأشعة غير المرئية كالسينية وغيرها تخترق وتفد على القشرات التالية لها فتعكسها كصور أيضاً وتقذف بها إلى الفضاء فلو أمكن تجميعها مع المحافظة على ثابت التناسب بينها جميعاً لأمكن أن نتلمس طنّاً من اللحم مثلاً نسخة عن الأصل أو منظراً مستنسخاً عن الأصل وجاء إمدادٌ إلهيٌّ آخر إذ قال الصادق عليه السلام هناك ألف ألف عالم قبل عالمكم وألف ألف آدم قبل آدمكم.
ابوفاطم الخيرالله
و الشيخ طاهر الوائلي

الخميس، 28 مارس 2013

نظرية المتعلم في الفقه ـ فتح لوثري جديد وكسر لحواجز الفقيه والمثقف ـ


نظرية المتعلم في الفقه
ـ فتح لوثري جديد وكسر لحواجز الفقيه والمثقف ـ

     عندما طالعت الرسالة العملية (المرتجاة) لسماحة اية الله العظمى المرجع الديني الشيخ عَدي الاعسم حفظه الله تعالى , تفاجأت بالتقسيم الذي ذكره للمكلف , فمن المعروف ان المجتهدين المتأخرون يجمعون على تقسيم المكلف إلى ثلاثة اقسام مقلد و محتاط ومجتهد , ولا خلاف بينهم في ذلك وانما يختلفون في تعريف هذه المفردات من حيث السعة والضيق , فبعضهم يرى التقليد هو الالتزام النفسي اي النية وبعضهم يراه العمل , وكذلك الاجتهاد فهم يختلفون في بعض شروطه كالاعلمية والذكورة والحياة, والاحتياط ايضاً رأينا من يراه لايصلح كطريق مستقل لان بعض الموارد يستحيل معها الاحتياط وبعضها يلزم منه الحرج وهو ينافي اطلاق ادلة اليسر والسماحة في الدين الإسلامي . 
    ولكن يظهر ان للمسألة وجهاً جديداً عند سماحة الشيخ الاعسم فقد ذكر في المسألة الخامسة من كتاب الاجتهاد والتقليد مانصه ( يجب أن يكون المرء في غير الضروريات والمسلمات كوجوب الصلاة وحرمة الربا والزنا أولاً مجتهدا أو ثانياً  مقلداً  أو ثالثاً متعلماً أو رابعاً محتاطاً لاسيما في  بعض المعاملات كما سيأتي.) . فأخذني الفضول لاعرف ماذا يقصد بالمتعلم فوجدته يعرفه في المسألة التاسعة بمانصه (المتعلم هو من يكون أوفر تعلماً من المقلد وأقل تعلماً من المقلَّد بحيث يتفهم طرق استدلال الفقه بشكل إجمالي ويتمكن أن يبدِ قبوله ورفضه لمواطن الاستدلال لكنه لا يكاد أن تكون له القدرة على فعل ذلك بنفسه فهو بهذا الاعتبار بوسعه أن يستغني عن تقليد المجتهد في المواطن المذكورة أما في الأحكام الأخرى التي لم يسعه وقته ومشاغله وقراءته أن يقبل أو يرفض طرق الاستدلال. يتوجب عليه أن يقلد الفقيه. )
    وفي الحقيقة قلت في نفسي قد تكون هذه المسألة اشبه بخاطرة او رأي استحسنه من الناحية العقلية  بدون ان تكون له مشروعيه من ناحية النقل فلا يوجد دليل نصي يساعد على ذلك ولو كان لبان عند المتأخرين في ابحاثهم او رسائلهم , لذا رجعت إلى محاضراته في ابحاث الخارج الفقهي , فوجدته ملتفت جداً إلى تأسيس المشروعية لهذا القسم وذكر الكثير من الايات والروايات الصريحة في مجال التعلم وضرورته كا ذكر العديد من الادلة العقلية الساندة لهذا الفهم وضرورة ايجاد هذا النوع من المكلفين وتكثيرهم لان الاصل بالمسلم ان يكون متعلماً , كما وجدته يفتي بوجوب تعلم الامي ( الامي عاص حتى يتعلم ) , رجعت مرة اخرى إلى التشكيك فقلت قد يكون الشيخ استغرق في النزعة النصية من دون ان يلتفت إلى الجوانب الفكرية التي تترتب على القول بالمتعلم . ولكن مرة اخرى صرعني الشيخ فوجدته ملتفت جداً لكل الجوانب الفكرية التي تترتب على هذه المسألة بل زاد على ذلك بتفريع الجانب الأخلاقي من وجود المتعلم الذي يتمثل في نقد العرف السائد في الأوساط الحوزوية من تسمية كل الناس بالعوام ما عدا طلبة العلوم الدينية ومن اقصاء جميع الاختصاصات الأخرى وإقصاء وتهميش المثقف الديني , بعد ذلك تأكدت ان سماحة الشيخ يصدر عن منظومة فكرية متكاملة الأبعاد من الجانب المعرفي أو المنهجي او من جانب الرؤية الكونية وان رؤيته في جميع هذه الميادين تمثل موقفاً ابداعياً بامتياز تستحق الوقوف عليها ودراستها وتحليلها للإفادة منها في رفد المنجز الإسلامي والإنساني بهذا اللون الجديد من الفكر بعد ان قرأت كتابه الجانب العقلاني في اللامعقول وكتابه أصول موحده لفقه الأديان المرسله , وكتابه علم السؤال وكتابه فن المناظرة وكتابه مقومات الخطف العسكري( استراتيجية سلمية في انتزاع الحقوق) وكتابه نسق رياضي لتوحيد العلوم وكتابه هل نحن اخلاقيون وكتابه الجهله يقودون الأذكياء ورسالته العملية (المرتجاة) وقرأت عن مواقفه الاجتماعية والسياسية والدينية وأخلاقياته مع طلبة العلوم الدينية .
   من هنا احببت ان اقدم قراءتي الخاصة عن الجوانب الفكرية المترتبة على القول بالمتعلم وان اوجه قراءتي هذه لسماحة الشيخ لانه ملزم بها بنص فتواه من ان المتعلم يجادل ويسأل ويعترض ويشارك الفقيه ويتحاور معه ويطرح كل ما يجول في خلده من افكار صالحة او طالحة ليتم موازنتها بمحددات الرساله الاسلامية الشرعية والعقائدية وبروحها العامة .
    انا اعتقد ان هذه الفتوى هي فتح لوثري جديد وافق رحب  لاصحاب المشاريع الاصلاحية من المفكرين والمثقفين واسهام فعال في جدلية الفقيه والمثقف ,وباب خصب لصناعة طلبة مبدعين ومجتهدين .
     فلنبدأ بكون هذه الفتوى فتح لوثري , فمن المعروف لكل متتبع لاشكالية قراءة النص الديني في الديانات السماوية , ان هناك عدة اشكاليات وجدليات في اليات الفهم المتبعة لتحديد مرادات النصوص الدينية وكيفية استخراجها واي منها حجة أو ليس بحجة , فقد تطورت نظرية القراءة تطورات عديدة ومرت بمحطات متنوعة حتى وصلت إلى شكل معقد ودقيق وخصوصاً في المدرسة الامامية الاثناعشرية تحت مسمى "علم الاصول" , العلم الذي يشكل المنطق الخاص بالفقه .
    فقد بدأت قراءة النص الديني بشكل عفوي وتلقائي بدون أي تنظير كما نجد ذلك واضحاً في الفكر اليهودي وبدايات الفكر المسيحي , فلم يكن عند اليهود أي تنظير واضح في اليات قراءة النص , ولكون نزعتهم حسية مادية فقد اتجهوا تدريجياً إلى نوع من القراءة الحرفية المتشددة وخصوصاً ما يسمى بالمدارش , ولكن بالرغم من ذلك نجد ان اليهودية هي التي شرعت اساس التأويل ومبدأ التعددية في المعاني , التي شهدتها المسيحية , فجميع نظريات تعدد المعاني تأثرت بـ" فيلون الاسكندري*" اليهودي(20ق ـ50م)  الذي ذهب إلى وجود معنيين للنص التوراتي هما المعني الجسدي أو الظاهري  والمعنى الرمزي أو الروحي إن هذا التقسيم الثنائي عند فيلون كان هو البادرة الأولى للنزاع الكبير بين الفلسفة والدين أو العقل والنقل عند الأديان السماوية الثلاثة الرئيسية على حد تعبير عبدالرحمن بدوي.
    وقد كان تنويع المعنى عند فيلون هو الأساس الفكري الذي اعتمده علماء المسيح فقد توالت النظريات المسيحية في موضوع قراءة النص الديني واضافت الكثير من الآليات الفكرية والدلالية لاثراء هذا الموضوع فكانت هناك اسماء لامعة في تاريخ المسيحية منهم اوريجان  واوغسطين وجون كاسيان وتوما الاكويني .
     وما نريد ان نقوله هو ان هذه النظريات الجديد في قراءة النص نتيجة لمرور فترات طويلة من الزمن عليها ونتيجة لوجود طبقة خاصة من الناس وهم العلماء الذين يتولون دراستها والافتاء على ضوءها ونتيجة لظهور اجيال من العلماء المقلدين لغيرهم فيها , ظهر فيها نوع من الاحتكار والجمود والتسلط , بحيث لا يسمح لاي فرد مؤمن مهما كان مثقفاً ان يبدي رأيه بخصوص أي موضوع ديني , ولا يجوز الاعتراض على أي فهم تقدمه الكنيسة حتى وان تيقن ان فهم الكنيسة خاطىء  , فعلى المؤمن المطيع ان يكون مقلداً فقط .
     ان هذه السلطة الدكتاتورية التي مارستها الكنيسة ضد المؤمنين ادت بصورة مباشرة او غير مباشرة إلى انهاء تسلط الباباوات ونهاية العصر الوسيط .    
       فقد شهد الفكر المسيحي بعدها لأسباب عديدة تداخل فيها العلمي بالاجتماعي ظهور نظريات أو دعاوى جديدة , كان من أبرزها في الوسط الديني ؛ ظهور البروتستانتية حيث دعا اللوثريون إلى الثورة على المهيمنات العلمية القدسية ,التي كان من ابرزها احتكار قراء النص الديني وفهمه من قبل رجال الدين, ويعد "مارتن لوثر"* (1483ـ 1546 ) مؤسس هذا الاتجاه (العلمي/الاجتماعي ) وأهم ما يميزه هو الدعوة إلى الإصلاح الذي يقترب من الاجتماع والادلجة أكثر منه إلى العلم الخالص
        فقد دعا لوثر إلى حق كل مؤمن في قراءة النص الديني , والى عدم الالتزام بانحصار النص بالمعاني الأربعة , وهو بهذا يكون قد وسع دائرة التأويل من جانبين ( النص / القارئ ) فمن جانب النص رفض المحددات العلمية المفروضة من قبلهم على النص ؛ لأن هذه التحديدات لا مبرر لها سوى السطوة والهيمنة القدسية للكنيسة وسلطة التقليد القديم للتفسير, المرتبط بشخوص علماء تحولوا في الفكر إلى خطوط حمراء ؛ لأنهم وحدهم من لهم حق الفهم والتفسير وتبيين الحقائق للناس (العامة) , ومن هنا يعزى لمارتن لوثر الفضل في اكتشاف  أو تجديد دائرة الفهم الديني , وإخراجها بعيدا عن فضاء الكنيسة وقواعدها الملزمة لكل معتقد مؤمن , واحتكارها للفهم/ الحقيقة , ومن ثم المعيار التأويلي .
     ان سماحة الشيخ الاعسم مارس الاصلاح هنا بشكل مقلوب فبدلاً من ان تكون الصيحات من خارج الوسط الديني وتأخذ شكل ثورة ورفض لكل سلطة دينية مهيمنه , فبادر هو وفتح الباب لهذه العقول للمشاركة في صناعة الفهم الديني , وليس ذلك من باب الاحتواء او الاستجابة لضغط خارجي بل لان النصوص الشرعية بمضامينها وروحها العامة تؤكد هذا .
      وهو بهذه الفتوى يكون قد كون مذهباً كاثوليكياً وبروتستانياً بنفس الوقت , وبعبارة معاصرة ان الاعسم يخترل بذلك ثنائية الفقيه والمثقف ويكاملها لتصب في مصب واحد , فهو قد اتى بفتح لوثري معاصر ليس على طريقة التقليد والمحاكاة بل بطريق الابداع .
     اما في مجال جدلية الفقيه والمثقف فالامر معقد جداً وخصوصاً في الاجواء الثقافية المعاصرة , فقد اصبحت هذه الجدلية من المسائل المهمة سواء في الجانب الديني الصرف او في موضوعات الاصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , فالفقيه يمثل منظومة فكرية مستقلة عن الواقع لان مرجعيته الفكرية تفرض عليه ان يتماهى مع النص ويعيش في اجواءه وينطلق من مسلماته ثم يعود بعد ذلك ليحكم على الواقع , والمثقف ذو وعي تجريبي واقعي يتكون ضمن الواقع ويرث جميع تطوراته واكتشافاته ويعيش مشاكل انيه ويستجيب لدوافع اجتماعية واقتصادية ونفسية ويسأل اسئلة تحمل روح العصر وتطلعاته وافاقه المفتوحة .
    ان الاختلاف في المصادر المعرفية بين الفقيه والمثقف بين النص والواقع , ادى إلى ظهور قطيعة معرفية بتعبير باشلار , وهذه القطيعة جعلت بعض المثقفين يرفضون الفكر الديني برمته لان هذا الفكر مغلق الابواب محدود الافق ليس فيه أي ديناميكية لا يستجيب لمشاكل الواقع يتحدث بلغة القرون الوسطى لغة متعالية وقطعية والقائمين عليه يتمتعون بقدسية هائلة تمنع وبشكل قمعي أي نوع من النقد المعرفي , ان المثقف نشأ وتكون في بيئة الواقع .
   ولكن هذا لا يعني ان الفقيه لا يرجع إلى الواقع بالمرة , ولا يعني ايضاً ان المثقف لا يستلهم من النصوص الدينية , ولكن رجوع الفقيه إلى الواقع يمتاز بعدة سمات وخصائص  منهجية تختلف عن كيفية رجوع المثقف وكذلك رجوع المثقف إلى النص ايضاً فيه خصائص منهجية تختلف عن رجوع الفقيه , ان كلاهما ينوع في المصادر ولكن الفقيه يحتفظ بكون النص المصدر الأساسي والمثقف يحتفظ بكون الواقع هو المصدرالاساسي .
    ولكي نفهم الإشكالية بعمق ودقة يجب ان نفحص آلية تعامل الفقيه مع النصوص ونقارنها بما يطرح المثقف من آليات اخرى , ونفحص مرة اخرى آلية تعامل المثقف مع الواقع ونقارنها بما يطرح الفقيه من رؤية للواقع .
ان اهم خصائص تعامل المثقف مع الواقع انه يعتبر الواقع المسرح الحقيقي لكل مايمكن ان يقال فالواقع هو المفسر لكل شيء

قيد الانشاء







*  فيلون الاسكندري : أول فيلسوف يهودي جمع بين الفلسلفة واللاهوت ويعد لاهوتيا أكثر مما يعد فيلسوفأ (الموسوعة الفلسفية / بدوي/ ج2 ,ص219(  فيلون الإسكندري ولد بالإسكندرية عام (20 أو30 ق.م) ومات بعد (54 من القرن الأول للميلاد) في زمن الحواريين وقد كان كبير المنزلة بين أبناء جنسه اليهود وطائفته. يقول عنه د. يوسف كرم: 'كان كبير القدر في قومه، فمما يذكر عنه أنه في أواخر أيامه ذهب في وفد إلى روما يشكو معاملة الحاكم الروماني على مصر لأهل ملتها، ويعد فيلون من أشهر المؤلفين الذين كتبوا التوراة وشرحوها باليونانية. راجع اميل بريهيه 'الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري' (ص6)، وما بعدها طبعة الحلبي (1954م)، و يوسف كلام , تاريخ الفلسفة اليونانية (ص 247)، دار بيروت لبنان.
*  (مارتن لوثر :  مصلح ديني شهير ومؤسس المذهب البروتستانتي) بدوي , الموسوعة الفلسفية , ج2 , ص 363