الخميس، 28 مارس 2013

نظرية المتعلم في الفقه ـ فتح لوثري جديد وكسر لحواجز الفقيه والمثقف ـ


نظرية المتعلم في الفقه
ـ فتح لوثري جديد وكسر لحواجز الفقيه والمثقف ـ

     عندما طالعت الرسالة العملية (المرتجاة) لسماحة اية الله العظمى المرجع الديني الشيخ عَدي الاعسم حفظه الله تعالى , تفاجأت بالتقسيم الذي ذكره للمكلف , فمن المعروف ان المجتهدين المتأخرون يجمعون على تقسيم المكلف إلى ثلاثة اقسام مقلد و محتاط ومجتهد , ولا خلاف بينهم في ذلك وانما يختلفون في تعريف هذه المفردات من حيث السعة والضيق , فبعضهم يرى التقليد هو الالتزام النفسي اي النية وبعضهم يراه العمل , وكذلك الاجتهاد فهم يختلفون في بعض شروطه كالاعلمية والذكورة والحياة, والاحتياط ايضاً رأينا من يراه لايصلح كطريق مستقل لان بعض الموارد يستحيل معها الاحتياط وبعضها يلزم منه الحرج وهو ينافي اطلاق ادلة اليسر والسماحة في الدين الإسلامي . 
    ولكن يظهر ان للمسألة وجهاً جديداً عند سماحة الشيخ الاعسم فقد ذكر في المسألة الخامسة من كتاب الاجتهاد والتقليد مانصه ( يجب أن يكون المرء في غير الضروريات والمسلمات كوجوب الصلاة وحرمة الربا والزنا أولاً مجتهدا أو ثانياً  مقلداً  أو ثالثاً متعلماً أو رابعاً محتاطاً لاسيما في  بعض المعاملات كما سيأتي.) . فأخذني الفضول لاعرف ماذا يقصد بالمتعلم فوجدته يعرفه في المسألة التاسعة بمانصه (المتعلم هو من يكون أوفر تعلماً من المقلد وأقل تعلماً من المقلَّد بحيث يتفهم طرق استدلال الفقه بشكل إجمالي ويتمكن أن يبدِ قبوله ورفضه لمواطن الاستدلال لكنه لا يكاد أن تكون له القدرة على فعل ذلك بنفسه فهو بهذا الاعتبار بوسعه أن يستغني عن تقليد المجتهد في المواطن المذكورة أما في الأحكام الأخرى التي لم يسعه وقته ومشاغله وقراءته أن يقبل أو يرفض طرق الاستدلال. يتوجب عليه أن يقلد الفقيه. )
    وفي الحقيقة قلت في نفسي قد تكون هذه المسألة اشبه بخاطرة او رأي استحسنه من الناحية العقلية  بدون ان تكون له مشروعيه من ناحية النقل فلا يوجد دليل نصي يساعد على ذلك ولو كان لبان عند المتأخرين في ابحاثهم او رسائلهم , لذا رجعت إلى محاضراته في ابحاث الخارج الفقهي , فوجدته ملتفت جداً إلى تأسيس المشروعية لهذا القسم وذكر الكثير من الايات والروايات الصريحة في مجال التعلم وضرورته كا ذكر العديد من الادلة العقلية الساندة لهذا الفهم وضرورة ايجاد هذا النوع من المكلفين وتكثيرهم لان الاصل بالمسلم ان يكون متعلماً , كما وجدته يفتي بوجوب تعلم الامي ( الامي عاص حتى يتعلم ) , رجعت مرة اخرى إلى التشكيك فقلت قد يكون الشيخ استغرق في النزعة النصية من دون ان يلتفت إلى الجوانب الفكرية التي تترتب على القول بالمتعلم . ولكن مرة اخرى صرعني الشيخ فوجدته ملتفت جداً لكل الجوانب الفكرية التي تترتب على هذه المسألة بل زاد على ذلك بتفريع الجانب الأخلاقي من وجود المتعلم الذي يتمثل في نقد العرف السائد في الأوساط الحوزوية من تسمية كل الناس بالعوام ما عدا طلبة العلوم الدينية ومن اقصاء جميع الاختصاصات الأخرى وإقصاء وتهميش المثقف الديني , بعد ذلك تأكدت ان سماحة الشيخ يصدر عن منظومة فكرية متكاملة الأبعاد من الجانب المعرفي أو المنهجي او من جانب الرؤية الكونية وان رؤيته في جميع هذه الميادين تمثل موقفاً ابداعياً بامتياز تستحق الوقوف عليها ودراستها وتحليلها للإفادة منها في رفد المنجز الإسلامي والإنساني بهذا اللون الجديد من الفكر بعد ان قرأت كتابه الجانب العقلاني في اللامعقول وكتابه أصول موحده لفقه الأديان المرسله , وكتابه علم السؤال وكتابه فن المناظرة وكتابه مقومات الخطف العسكري( استراتيجية سلمية في انتزاع الحقوق) وكتابه نسق رياضي لتوحيد العلوم وكتابه هل نحن اخلاقيون وكتابه الجهله يقودون الأذكياء ورسالته العملية (المرتجاة) وقرأت عن مواقفه الاجتماعية والسياسية والدينية وأخلاقياته مع طلبة العلوم الدينية .
   من هنا احببت ان اقدم قراءتي الخاصة عن الجوانب الفكرية المترتبة على القول بالمتعلم وان اوجه قراءتي هذه لسماحة الشيخ لانه ملزم بها بنص فتواه من ان المتعلم يجادل ويسأل ويعترض ويشارك الفقيه ويتحاور معه ويطرح كل ما يجول في خلده من افكار صالحة او طالحة ليتم موازنتها بمحددات الرساله الاسلامية الشرعية والعقائدية وبروحها العامة .
    انا اعتقد ان هذه الفتوى هي فتح لوثري جديد وافق رحب  لاصحاب المشاريع الاصلاحية من المفكرين والمثقفين واسهام فعال في جدلية الفقيه والمثقف ,وباب خصب لصناعة طلبة مبدعين ومجتهدين .
     فلنبدأ بكون هذه الفتوى فتح لوثري , فمن المعروف لكل متتبع لاشكالية قراءة النص الديني في الديانات السماوية , ان هناك عدة اشكاليات وجدليات في اليات الفهم المتبعة لتحديد مرادات النصوص الدينية وكيفية استخراجها واي منها حجة أو ليس بحجة , فقد تطورت نظرية القراءة تطورات عديدة ومرت بمحطات متنوعة حتى وصلت إلى شكل معقد ودقيق وخصوصاً في المدرسة الامامية الاثناعشرية تحت مسمى "علم الاصول" , العلم الذي يشكل المنطق الخاص بالفقه .
    فقد بدأت قراءة النص الديني بشكل عفوي وتلقائي بدون أي تنظير كما نجد ذلك واضحاً في الفكر اليهودي وبدايات الفكر المسيحي , فلم يكن عند اليهود أي تنظير واضح في اليات قراءة النص , ولكون نزعتهم حسية مادية فقد اتجهوا تدريجياً إلى نوع من القراءة الحرفية المتشددة وخصوصاً ما يسمى بالمدارش , ولكن بالرغم من ذلك نجد ان اليهودية هي التي شرعت اساس التأويل ومبدأ التعددية في المعاني , التي شهدتها المسيحية , فجميع نظريات تعدد المعاني تأثرت بـ" فيلون الاسكندري*" اليهودي(20ق ـ50م)  الذي ذهب إلى وجود معنيين للنص التوراتي هما المعني الجسدي أو الظاهري  والمعنى الرمزي أو الروحي إن هذا التقسيم الثنائي عند فيلون كان هو البادرة الأولى للنزاع الكبير بين الفلسفة والدين أو العقل والنقل عند الأديان السماوية الثلاثة الرئيسية على حد تعبير عبدالرحمن بدوي.
    وقد كان تنويع المعنى عند فيلون هو الأساس الفكري الذي اعتمده علماء المسيح فقد توالت النظريات المسيحية في موضوع قراءة النص الديني واضافت الكثير من الآليات الفكرية والدلالية لاثراء هذا الموضوع فكانت هناك اسماء لامعة في تاريخ المسيحية منهم اوريجان  واوغسطين وجون كاسيان وتوما الاكويني .
     وما نريد ان نقوله هو ان هذه النظريات الجديد في قراءة النص نتيجة لمرور فترات طويلة من الزمن عليها ونتيجة لوجود طبقة خاصة من الناس وهم العلماء الذين يتولون دراستها والافتاء على ضوءها ونتيجة لظهور اجيال من العلماء المقلدين لغيرهم فيها , ظهر فيها نوع من الاحتكار والجمود والتسلط , بحيث لا يسمح لاي فرد مؤمن مهما كان مثقفاً ان يبدي رأيه بخصوص أي موضوع ديني , ولا يجوز الاعتراض على أي فهم تقدمه الكنيسة حتى وان تيقن ان فهم الكنيسة خاطىء  , فعلى المؤمن المطيع ان يكون مقلداً فقط .
     ان هذه السلطة الدكتاتورية التي مارستها الكنيسة ضد المؤمنين ادت بصورة مباشرة او غير مباشرة إلى انهاء تسلط الباباوات ونهاية العصر الوسيط .    
       فقد شهد الفكر المسيحي بعدها لأسباب عديدة تداخل فيها العلمي بالاجتماعي ظهور نظريات أو دعاوى جديدة , كان من أبرزها في الوسط الديني ؛ ظهور البروتستانتية حيث دعا اللوثريون إلى الثورة على المهيمنات العلمية القدسية ,التي كان من ابرزها احتكار قراء النص الديني وفهمه من قبل رجال الدين, ويعد "مارتن لوثر"* (1483ـ 1546 ) مؤسس هذا الاتجاه (العلمي/الاجتماعي ) وأهم ما يميزه هو الدعوة إلى الإصلاح الذي يقترب من الاجتماع والادلجة أكثر منه إلى العلم الخالص
        فقد دعا لوثر إلى حق كل مؤمن في قراءة النص الديني , والى عدم الالتزام بانحصار النص بالمعاني الأربعة , وهو بهذا يكون قد وسع دائرة التأويل من جانبين ( النص / القارئ ) فمن جانب النص رفض المحددات العلمية المفروضة من قبلهم على النص ؛ لأن هذه التحديدات لا مبرر لها سوى السطوة والهيمنة القدسية للكنيسة وسلطة التقليد القديم للتفسير, المرتبط بشخوص علماء تحولوا في الفكر إلى خطوط حمراء ؛ لأنهم وحدهم من لهم حق الفهم والتفسير وتبيين الحقائق للناس (العامة) , ومن هنا يعزى لمارتن لوثر الفضل في اكتشاف  أو تجديد دائرة الفهم الديني , وإخراجها بعيدا عن فضاء الكنيسة وقواعدها الملزمة لكل معتقد مؤمن , واحتكارها للفهم/ الحقيقة , ومن ثم المعيار التأويلي .
     ان سماحة الشيخ الاعسم مارس الاصلاح هنا بشكل مقلوب فبدلاً من ان تكون الصيحات من خارج الوسط الديني وتأخذ شكل ثورة ورفض لكل سلطة دينية مهيمنه , فبادر هو وفتح الباب لهذه العقول للمشاركة في صناعة الفهم الديني , وليس ذلك من باب الاحتواء او الاستجابة لضغط خارجي بل لان النصوص الشرعية بمضامينها وروحها العامة تؤكد هذا .
      وهو بهذه الفتوى يكون قد كون مذهباً كاثوليكياً وبروتستانياً بنفس الوقت , وبعبارة معاصرة ان الاعسم يخترل بذلك ثنائية الفقيه والمثقف ويكاملها لتصب في مصب واحد , فهو قد اتى بفتح لوثري معاصر ليس على طريقة التقليد والمحاكاة بل بطريق الابداع .
     اما في مجال جدلية الفقيه والمثقف فالامر معقد جداً وخصوصاً في الاجواء الثقافية المعاصرة , فقد اصبحت هذه الجدلية من المسائل المهمة سواء في الجانب الديني الصرف او في موضوعات الاصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , فالفقيه يمثل منظومة فكرية مستقلة عن الواقع لان مرجعيته الفكرية تفرض عليه ان يتماهى مع النص ويعيش في اجواءه وينطلق من مسلماته ثم يعود بعد ذلك ليحكم على الواقع , والمثقف ذو وعي تجريبي واقعي يتكون ضمن الواقع ويرث جميع تطوراته واكتشافاته ويعيش مشاكل انيه ويستجيب لدوافع اجتماعية واقتصادية ونفسية ويسأل اسئلة تحمل روح العصر وتطلعاته وافاقه المفتوحة .
    ان الاختلاف في المصادر المعرفية بين الفقيه والمثقف بين النص والواقع , ادى إلى ظهور قطيعة معرفية بتعبير باشلار , وهذه القطيعة جعلت بعض المثقفين يرفضون الفكر الديني برمته لان هذا الفكر مغلق الابواب محدود الافق ليس فيه أي ديناميكية لا يستجيب لمشاكل الواقع يتحدث بلغة القرون الوسطى لغة متعالية وقطعية والقائمين عليه يتمتعون بقدسية هائلة تمنع وبشكل قمعي أي نوع من النقد المعرفي , ان المثقف نشأ وتكون في بيئة الواقع .
   ولكن هذا لا يعني ان الفقيه لا يرجع إلى الواقع بالمرة , ولا يعني ايضاً ان المثقف لا يستلهم من النصوص الدينية , ولكن رجوع الفقيه إلى الواقع يمتاز بعدة سمات وخصائص  منهجية تختلف عن كيفية رجوع المثقف وكذلك رجوع المثقف إلى النص ايضاً فيه خصائص منهجية تختلف عن رجوع الفقيه , ان كلاهما ينوع في المصادر ولكن الفقيه يحتفظ بكون النص المصدر الأساسي والمثقف يحتفظ بكون الواقع هو المصدرالاساسي .
    ولكي نفهم الإشكالية بعمق ودقة يجب ان نفحص آلية تعامل الفقيه مع النصوص ونقارنها بما يطرح المثقف من آليات اخرى , ونفحص مرة اخرى آلية تعامل المثقف مع الواقع ونقارنها بما يطرح الفقيه من رؤية للواقع .
ان اهم خصائص تعامل المثقف مع الواقع انه يعتبر الواقع المسرح الحقيقي لكل مايمكن ان يقال فالواقع هو المفسر لكل شيء

قيد الانشاء







*  فيلون الاسكندري : أول فيلسوف يهودي جمع بين الفلسلفة واللاهوت ويعد لاهوتيا أكثر مما يعد فيلسوفأ (الموسوعة الفلسفية / بدوي/ ج2 ,ص219(  فيلون الإسكندري ولد بالإسكندرية عام (20 أو30 ق.م) ومات بعد (54 من القرن الأول للميلاد) في زمن الحواريين وقد كان كبير المنزلة بين أبناء جنسه اليهود وطائفته. يقول عنه د. يوسف كرم: 'كان كبير القدر في قومه، فمما يذكر عنه أنه في أواخر أيامه ذهب في وفد إلى روما يشكو معاملة الحاكم الروماني على مصر لأهل ملتها، ويعد فيلون من أشهر المؤلفين الذين كتبوا التوراة وشرحوها باليونانية. راجع اميل بريهيه 'الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري' (ص6)، وما بعدها طبعة الحلبي (1954م)، و يوسف كلام , تاريخ الفلسفة اليونانية (ص 247)، دار بيروت لبنان.
*  (مارتن لوثر :  مصلح ديني شهير ومؤسس المذهب البروتستانتي) بدوي , الموسوعة الفلسفية , ج2 , ص 363

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق