موقف سماحة اية الله العظمى الشيخ
عَدي الاعسم (دام ظله) من النزعة الطائفية
بسم الله الرحمن الرحيم
((وَاتَّقُوا
فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) صدق
الله العلي العظيم
الصلاة
و السلام على محمد و آله و صحبه و على الانبياء و المرسلين رحم الله الشهداء, فرج
الله عن السجناء , اعان الفقراء , جعلنا و اياكم من بناة دولة الله على الارض آمين
يا رب العالمين .
ان المسؤولية الشرعية والإنسانية والوطنية
تلزم جميع العقلاء في هذا البلد المقدس , البلد العريق , صانع الحضارات ومعلم
الامم, ان نقف وقفة شجاعة ضد كل هذه الأعراف الجاهلية المقيته التي تصدرت الينا
ممن يريد شراً بهذا البلد ويريد ان يتلاعب بمقدراته و ارثه الديني والحضاري .
اخوتي
في الله اننا اليوم بحاجة ماسة, اكثر من أي وقت مضى, إلى الوقوف بقوة وحزم , ضد
التعصب الطائفي والعرقي , التعصب الاعمى , الذي لا يقبله أي دين واي عرف عقلائي .
ان
التعصب الديني والمذهبي مجرد تخريف وتسطيح بالغ السذاجة , وهو لعمري نفس التسويق
الاعلامي من متطرفي العقائد الاخرى , يتسلحون به لمواجهة العقائد المقابلة لها ,
ولقد شوهد في الغرب , وكذلك في الشرق , ان التساقط الذي حصل للاتحاد السوفيتي كان
مصحوباً بتحلل متزايد لمعظم الاحزاب الشيوعية , مما ادى بعدد كبير من الانصار , ان
تشهد لهم الكنائس والكاتدرائيات , وكذلك الجوامع والحسينيات , عودة التائب النصوح ,
فينعمون بذكريات الطفولة , وامان الدين ,أو الطائفة الذي نشأوا في كنفه , بعد ان
اشبعه البعض منهم حنقاً وسخرية , فبعد ان كانوا يصنفون كمناضلين في البروليتاريا ,
ضد الطبقة الرأسمالية , اصبحوا يصنفون كطائفيين , ضد الطوائف المغايرة , كيف حصل
هذا الانقلاب الرهيب؟ اليست هي هيستريا التعصب , وقل نفس الشيء عن الاحزاب الليبرالية , في واحدة
من اشبه الوقائع لانهيار مصادرهم العلمانية , وانه لمن دواعي الشجن , ان الحروب
الدولية والمحلية , كانت في معظمها, امتداد لهذا التسويق المجحف المذكور , وتأتي
في طليعة ذلك الحروب الصليبية , كأحد الاسباب الرئيسية , ومعارك الكاثوليك ضد
البروتستانت , لا سيما مذبحة (سان بارتلمي) لا بل ذهب البعض ان حروب البولونيز , كان
وراءها بعض الكهنة , ناهيك عن مذابح سليم الثاني ضد البلقان , فضلاً عن المواجهات
الطائفية في ايرلندا , مضافاً إلى المناوشات الطائفية في بلدنا العريق التي زرقتها
الولايات الامريكية في جسد العراق السليم .
وما من شك عند كل متعلم, ان الفروق في
منتهى التفاوت بين الاعتقاد بالنظريات العلمية مثلاً ,وبين الايمان بالاديان , فالنظريات
العلمية , لا تكاد تتم ما لم تبذل جهود برهانية حرة , وتأملات مستقلة , اما
الايمان بالاديان فلا يكاد يتاح الايمان بالمسيحية من قبل ابنائها او اليهودية أو
الاسلام إلا في احضان الموروث البيئي أو الاجتماعي , بدليل ما من انسان يترعرع , في
مثل هذه البيئات إلا ويظهر اعتقاداً مخلصاً في الموروث الديني انه كما لو يكون
غسلاً للدماغ انه اشبه بالشفرة الوراثية ان الامر لمدهش ومؤثر ومبكي ومضحك لمن
ينشد الضحاك كلا بل انه لجنون حقاً ان يدرك الانسان ان البيئة لها وحدها الوصاية
على معتقداته تماماً كما لها نفس الوصاية على معتقدات غيره لكنه لا لشيء يحتكر
الافضلية لنفسه ويالها من مكابرة مقززة ان يرنو مثل هذا الانسان إلى عقيدة مغايرة
فيرمقها بعين النقد والتجريح والتكفير وفي اعنف حالاته يلجأ إلى التصفية والابادة
. لماذا؟ لانه ببساطة لم ينشأ في البيئة نفسها التي نشأ فيها فريسته . وانه ليعلم
جيداً انه سيصبح صابئياً ان كان والداه كذلك ويصبح مسيحياً لو كان ابواه كذلك وانه
سيصبح مسلماً ان كان مربيه كذلك وليس هذا .
لذا فقد افتينا كما افتىى فقهائنا في رسالتنا العملية بانه لا يجوز عقد
المناظرات الدينية والمذهبية لأجل المناظرات. و يجب أن يعزر ويسجن وفقا لاجتهاد
الحاكم الشرعي من يتسبب في مناظرته أو خطبه إلى اشتباكات مميتة أو غير مميتة بين
الطوائف.
ان البشرية لتدمى في كبريائها وهي تتابع
تلك المهاترات والمواجهات الكلامية التي يتقابل فيها الطائفيون وقد رفع كل منهما
اكمامه في اندفاع فاق صراع الديكة حيونة, يتسلى فيها البنتاغون واقطابه بعد ان فتح
اقفاصها بل خلع ابوابها خلعا. لشد ما يصرعني أسفا ان تلك المناظرات الطائفية
المتزايدة عبر التاريخ الطويل لم تحمل الطرف الاخر قط على الانسحاب من دينه
والتوجه الى الدين الآخر كلا ولم يحدث ان الجمهور المترقب للنتائج أن انسحب هو
الاخر من دينه تحت سير المناظرات لا بل لم
يحدث العكس فقط , بل غاص كل ذي دين الى اعمق حالات العناد مكابرة وتهورا, عجبي لا
يقف الى هذا الحد. لكن الاعجب بدلا ان يجمع الكل على ايقافها بعد تصنيفها ضمن
الجرائم الانسانية, يتواجد من يدعو الى تجديدها ويحرص على ذيوعها اعلاميا. وليعلم
هؤلاء والمتشددون من الخطباء ما من مناظرة
طائفية او دينية تقع وما من حادثة تحريضية يلوكها الخطيب للتنويه ببراعته
الا ويسقط في اليوم التالي او في اليوم نفسه
عدد من ضحايا الارهاب الفكري والطائفي. لقد وجدنا في التشريع الإسلامي ان
من يباشر قتل الضحية يقتل, ومن يأمر بذلك يسجن مؤبدا, ومن يرى ولم يساعد على تخليص
المجنى عليه تسمل عينيه, لكن ما حكم من تسبب باقواله في قتل المستضعفين أرأيت حجم
جريمتك ايها المناظر الديكي ويا ايها الخطيب الدموي. ليس ندينك لوحدك لكن ندين من لا يفتي بأمثالك ويفرد لك
ضمن قانون العقوبات مادة رادعة. حقا اننا نقول بالتعددية الفكرية
بشكلها الموضوعي المقنع ولكن ليس على حساب الاغتيال الفكري ومن هنا يجب ان يصار
الى تشريع ملزم يحرم قيام المناظرات الطائفية ويمنع من ترويجها لذلك ابصر الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم بثاقب فكره تداعياتها الخطيرة فاصدر جملة من الاحاديث
والمواعظ ينهي فيها عن المماراة.
فما
بالنا اليوم نتحدث باسم الدين ونتلاعب بشريعة سيد المرسلين وبالبسطاء من امته
ونقذف بهم في اتون نار التعصب ونار الحقد
فنزيد الطعنات في جسد الامة ونعين بذلك اعدائنا علينا ونساعدهم في تنفيذ مخططاتهم
وتسريعها . اهكذا هو الدين والتشريع يا مؤمنين اما زلت يا قابيل كامناً في صدورنا
, ما اقبحك ايها المتطرف شيعياً كنت ام سنياً ام مسيحياً .... الا تشعر خجلاً
والكرامة الانسانية تباح على يديك تباح خلال الحيونة التي تنقاد إلى عقائد التلقين
الاعمى لا شعورياً , ايها المعتقدون رعياً للكرامة والاخلاق واين الاخلاق وانت
تحتكر الحق الموهوم لوحدك ارجوك ان تعلم ان من يريد الخروج على هذا الوضع عليه ان
يشارك الجميع معتقداتهم لانها تصدر من مشاعر ايمانية ودينية .
واخر
دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
عَدي الأعسم