معالم مدرسةٌ أصوليةٌ جديدةٌ من حوزة النجف
الأشرف مدينة الإبداع
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه سلسلة محاضرات منتقاة من أبحاث شيخنا الأستاذ آية الله الشيخ عَديّ الأعسم (حفظه الله) وقبل الدخول في هذه السلسلة من
المحاضرات ينبغي التنبيه إلى أمور :
1ـ أن سماحة الشيخ وإن كان يسير في بحثه وفقاً لتقسيم المباحث بالصورة التقليدية, إلا أن طبيعة الطرح تمتاز بالجدة والموضوعية والإبداع.
2ـ يركز سماحته على المباني العامة والأسس العقلية التي ترتكز عليها المباني الأصولية والفقهية, ويناقش فيها ويتأمل حتى في بديهيات ومسلمات البحث الأصولي, ولا يخفى على كل باحث منصف أن هذا هو موضع الاجتهاد الحقيقي, وإلا لأصبحنا مقلدين وإن كنا مجتهدين بالمعنى الشائع والمتعارف.
3ـ يحرص سماحته على الإنفتاح العلمي على منجزات العصر سواء في العلوم الإنسانية أو في العلوم التطبيقية, وهذا المبدأ يترجم من الناحية التطبيقية بما يأتي
أ ـ الإفادة من علوم الطبيعة في فك بعض أسرار النصوص الشرعية والعكس, فهو يربط بين كتاب الطبيعة المفتوح وكتاب الشرع (تراث الأديان) في علاقة جدلية متكافئة بحيث لا يغلِّب الكشوفات العلمية على النصوص ولا النصوص على الكشوفات, فلا يعطي أحكاماً قطعية بل يعتبر العلاقة من القرائن التي تساعد في فهم إحداهما تجاه الآخر.
ب ـ الإفادة من مناهج العلوم الإنسانية وخصوصاً الفلسفية والألسنية, فمما لا شك فيه أن البحث الفلسفي الغربي قد تقدم كثيراً في مجال المناهج (methodology) وفي مجال نظرية المعرفة (Epistomology) , فهو يحاول أن يؤصل لنظرية المعرفة والابيستمولوجيا في الدرس الأصولي, ومما لا شك فيه أن هذه المهمة عسيرة جداً لأنها سوف تقلب موازين هذا العلم وتجعلنا نعيد النظر في أغلب أسسه وقواعده العامة, وللإنصاف أن هذا هو المطلوب منا اليوم فعلم الأصول ومنذ صاحب الكفاية لم يتوسع عمودياً بل أخذ في السير أفقياً عن طريق توسيع المطالب وتفريعها وزيادة الفرضيات الترفيّة. والنتيجة أصبح علم الأصول يغوص في الجزئيات ويجتهد في الفرعيات إلا أنه مقلد في المباني العامة والأسس الفلسفية والفكرية التي يستند عليها أساس هذا العلم في وقت أن الشيخ قد أفرغ علم الأصول من المنطق الأرسطي الذي اعتمده الفقهاء والأصوليون أساساً لاستنباطهم الشرعي وحذف جملةً من المباني الأصولية وأبدلها بمبانٍ في غاية الجدة والإبداع أمكننا أن نقول معها أن الشيخ أتى بمدرسةٍ أصوليةٍ جديدة .
تأسيس الابستيمولوجيا في علم الأصول
لم يعقد شيخنا الأستاذ أبحاثاً خاصة وبعناوين مستقلة حول نظرية المعرفة( )بل يستنبط الآراء المعرفية من تضاعيف المسائل الأصولية فعندما يناقش في بحثه إحدى المسائل الأصولية المتعارفة ينتقل بعد تصوير المطلب وتحرير محل النزاع إلى الأسس العقلية العامة لتلك المسألة, ثم يناقش في تلك الأسس بأسلوب علمي تشكيكي نقضي وحلّي وهذا ما سنلاحظه في مسألة الخلاف بين الإخباريين والأصولين حول مسألة العقل.
بين الإخباريين والأصوليين (حجية القطع العقلي)
نسب إلى الإخباريين إنكار حجية القطع الحاصل من المقدمات العقلية وعدم عد العقل من الأدلة الشرعية( ) ويمكن إيجاز دعاواهم بما يظهر من كلماتهم بما يأتي:
1ـ إنكار الملازمة بين حكم العقل و الشرع.
2ـ عدم حصول القطع من المقدمات العقلية.
3ـ منع الشارع من الرجوع إليها وإن حصل القطع منها.
والمتحصل من ذلك سقوط دليل العقل من الأدلة الشرعية الأربعة وصيرورتها ثلاثة بل واحداً لعدم أخذهم بالكتاب إذا لم تدل عليه سنة, وعدم اعتمادهم على الإجماع اذا لم يكن المعصوم أحد المجمعين.
وذهب الاسترابادي إيضاً إلى عدم حصول القطع من المقدمات العقلية وخلاصة دليله على ما نقله الشيخ الأعظم (قدس) في رسائله, أنه يقسم العلوم إلى ثلاثة أقسام باعتبار الحس مقسماً, فمنها ما يكون بالحس الصريح كالعلوم التجريبية, ومنها مايكون قريباً من الإحساس كعلم الجبر والهندسة وعلم المنطق في بعض أبوابه, ومنها ما يكون بعيداً عن الإحساس, كأغلب العلوم الإنسانية (وفقا للاصطلاح الحديث) كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وبعض أبواب المنطق.
ودليل الاسترابادي أن القسمين الأوليين لا يقع فيهما الخلاف بخلاف القسم الثالث الذي وقعت فيه الخلافات والمشاجرات لأنه بعيد عن الحس. ومن هنا ذهب الاسترابادي إلى أن الخلاف ليس في الصورة بل في المادة أيضاً فعاصمية المنطق هنا لاتجدي نفعا لأن دائرة الخلاف ترجع إلى المادة المستندة إلى البديهيات فلو كانت هذه البديهيات والفطريات لاخلاف حولها( ) كما هو المدعى من قبل الأصوليين إذاً من أين جاء الخلاف ؟ لأنه المفترض أن كل بناء نظري استدلالي برهاني يرجع إلى قاعدة بديهية لا خلاف حولها فيجب أن تكون كل النظريات متوحدة بلا خلاف. والحال أن الخلاف والاختلاف هو واقع الحال في جميع نظريات هذه العلوم بل أصبح ذكر الآراء الخلافية في كل مسألة من السنن المتعارفة في الدرس العلمي.
ومن هنا يصبح التساؤل مشروعاً بأنه إذا كانت القواعد العامة بديهية لا خلاف حولها فمن أين جاء الخلاف الذي نراه في أغلب العلوم النظرية ؟ وإذا كانت غير بديهية ومحطاً للخلاف فلا بد من عاصم غير المنطق (صناعة البرهان) ؟ فما هو هذا العاصم وما هي ضوابطه وحدوده؟
ومن هذا المنطلق أصبح من المشروع أن نناقش في بداهة البديهي وفي عاصمية المنطق وفي مسلمات البحث الأصولي ولو على نحو الإشكال النقضي: وهنا يتقدم الشيخ بهذه النقوض:
1 ـ إن أغلب البديهيات مبنية على دليل عدم إمكان التصور أي عندما يقع الفرض الفلسفي خارج حدود التصور نلجأ إلى تقنينه كقاعدة بديهية أو ندعي أنه مسلمة فكرية وإلا لتسلسل البحث عن أسبابها والحال (إن كل ما لا يُتصوَّر لا يدل على عدم الوجود أو الاستحالة) وفي هذا المجال هناك شواهد كثيرة من العلم الحديث وخصوصاً في علم الفلك على وجود ظواهر خارج حدود التصور ولكنها بنفس الوقت موجودة ومحدودة .
2 ـ في مجال بداهة مفهوم العلية يورد سماحته إشكالاً نقضياً لطيفاً ودقيقاً وخلاصته, أنه من المسلم به أن الكون (جواهر وأعراض) يمر بحالة من التغير (سواءً الظاهري أو الجوهري) وهذا التغير بمختلف أشكاله سواء كان نمو أو حركة أو زيادة أو نقصان يستلزم تغير في العلة الموجدة. ومن هنا نطرح هذا النقض وفقاً للهندسة النظرية فنقول (لو فرضنا أن هناك مربعاً مصنوعاً من الطين وأردنا أن نغير شكل هذا المربع الطيني إلى شكل هرمي فهناك احتمالات ثلاثة هي أما أن يتعاصر الشكلان، أو أن تكون هناك فترة زمنية لايكون فيها هناك مربعٌ ولا هرمٌ، أو يتعاصر إختفاء المربع مع ظهور الهرم، فإذا قلت أن الشكل بين المربع والهرم مستطيل فأيضاً سنقول هناك احتمالان أما أن يتعاصر الشكلان أو أن تكون هناك فترة زمنية لايكون فيها هناك مربعٌ ولا مستطيل أو أن يتعاصر إختفاء المربع مع ظهور المستطيل وهكذا بقية الأشكال.ومناقشة الإحتمالات: الأول متناقض لأننا نريد أن نحول أحد الشكلين إلى الآخر فتعاصرهما يلزم التناقض وعلى الإحتمال الثاني لابد أن يأخذ الطين شكلاً برزخياً (فاصلاً) قبل أن يتحول إلى هرم ومن هنا ننقل الكلام إلى هذا الشكل الجديد ولنفرض أنه مستطيل فنقول إن المربع لايمكن أن يتعاصر مع المستطيل لأنه يلزم التناقض إذن لابد من فترة زمنية تتخللهما وفيها يأخذ الطين شكلاً برزخياً ليس فيه شكل وهذا مستحيل وأما الإحتمال الثالث فيعني هبوط الطين وارتفاعه في الوقت نفسه وهذا محال هو الآخر.. والنتيجة النقضية (هي أن مفهوم العلية لا يفسر حالة التطور والتغير بصور بديهية واضحة فلا توجد علة متقدمة أو متأخرة ولا مقدم ولا تالي بل هناك حالة أشبه بحالة التعاصر)
3 ـ النقض حول مبدأ (الترجيح بلا مرجح) إن هذا النقض يفيد كثيراً من الكشوفات العلمية الحديثة( ) , فعلى سبيل المثال (اذا كان هناك صندوق وأردنا أن ندفعه إلى الأمام فيجب من الناحية الفيزيائية أن يدفع الصندوق الفراغ الذي أمامه لأنه إذا لم يدفعه يلزم أن يكون امتداد الصندوق هو امتداداً للفراغ بالوقت نفسه أو أن يكون هناك فجوة بين الصندوق و الفراغ وهذه الفجوة ما هي إلا العدم والعدم محال إذن لا بد أن يدفع الصندوق امتداد الفراغ, و امتداد الفراغ يدفع امتداداً آخر وهكذا تؤثر هذه الحركة على مجمل الكون وهذا الإندفاع المستمر سيحتفظ بنفس المقدار والقوة, وهذا الاندفاع هو طاقة حركية وهي أحد ألوان الكهرومغناطيسية التي تعد من القوى الأربعة والتي من ضمنها الجاذبية. وهذه الطاقة الحركية الكهرومغناطيسة لا تفنى ولا تستحدث بل تبقى موجودة أو قل مخزونة في الفضاء بفعل الحركة المتواصلة, وبما إن الفراغ متصل كاسطوانة متصلة بحيث إذا تحرك أوَّلها تحركت نهايتها في الوقت نفسه كحركة فورية, فاذا كانت الحركة آنية وفورية أصبحت جميع تضاعيف هذه الحركة متعاصرة بلا فاصلة لإن الكل يحدث في آن واحد ومن هنا يختفي مفهوم العلة والمعلول بسبب التعاصر, وبالتالي تبطل قاعدة الترجيح بلا مرجح( )
وفضلاً عما تقدم فإن الشيخ الأعسم يؤمن بضرورة أن يكون المجتهد موسوعياً فللشيخ بحوثٌ علمية نشرت في خارج العراق منها (نسق رياضي لتوحيد العلوم والإستنساخ الضوئي وفسلجة النعاس فضلاً عن سبقه لكثير من الأبحاث التي تلقى رواجاً غربياً قد ألمح لها الشيخ في مؤلفاته العديدة مثل نظريته (الإيقان القهري) التي سبق فيها الغرب الذين وجدوا في الآراء التي يؤمن بها الآخرون بتزايد وإصرار وإيمان مفرط سوف تتحول إلى واقع ملموس بما يمنح الأمل للبشرية قاطبةً وولتسليط اضوء على الإستنساخ اضوئي سننقل لكم قول الأستاذ الأعسم إذ يقول:
(نظراً إلى أن الضَّوء إذا وفد على المنظر الطبيعي أو الوجوه الآدمية مثلاً فإنَّه ينعكس وفق معامل الإنعكاس كصور محلقة بعد أن توزَّع فيها الضَّوء الوافد على التركيب الذري لقشرة المنظر الطبيعي فطبع بطابعها كتركيب ذري مستنسخ باعتبار الفوتون من أساسيات الذرة فما أن يغادر هذا المستنسَخ كصور فإنَّهُ إذا صادفه لوحٌ أو حائطٌ فيه مثبتات الصور كنترات الفضة مثلاً فإنَّ هذه الصور المحلقة في الفضاء كطاقة متحركة معه يمكن إذا صادفتها جدران بها مثل هذه المثبتات عندئذٍ تنقلب إلى صور حسية منحوتة على الجدران وجاء إمداد إلهيٌّ تأييداً لما نقول إذ قال (ع) يتحدث عن مسجد السهلة (إن كلاً من الأنبياء والأوصياء صلّوا فيه وكانت طينتهم منه وحملت وجوههم زبرجدةٌ أو صخرةٌ منه) مضافاً إلى ذلك فإنَّ الأشعة غير المرئية كالسينية وغيرها تخترق وتفد على القشرات التالية لها فتعكسها كصور أيضاً وتقذف بها إلى الفضاء فلو أمكن تجميعها مع المحافظة على ثابت التناسب بينها جميعاً لأمكن أن نتلمس طنّاً من اللحم مثلاً نسخة عن الأصل أو منظراً مستنسخاً عن الأصل وجاء إمدادٌ إلهيٌّ آخر إذ قال الصادق عليه السلام هناك ألف ألف عالم قبل عالمكم وألف ألف آدم قبل آدمكم.
1ـ أن سماحة الشيخ وإن كان يسير في بحثه وفقاً لتقسيم المباحث بالصورة التقليدية, إلا أن طبيعة الطرح تمتاز بالجدة والموضوعية والإبداع.
2ـ يركز سماحته على المباني العامة والأسس العقلية التي ترتكز عليها المباني الأصولية والفقهية, ويناقش فيها ويتأمل حتى في بديهيات ومسلمات البحث الأصولي, ولا يخفى على كل باحث منصف أن هذا هو موضع الاجتهاد الحقيقي, وإلا لأصبحنا مقلدين وإن كنا مجتهدين بالمعنى الشائع والمتعارف.
3ـ يحرص سماحته على الإنفتاح العلمي على منجزات العصر سواء في العلوم الإنسانية أو في العلوم التطبيقية, وهذا المبدأ يترجم من الناحية التطبيقية بما يأتي
أ ـ الإفادة من علوم الطبيعة في فك بعض أسرار النصوص الشرعية والعكس, فهو يربط بين كتاب الطبيعة المفتوح وكتاب الشرع (تراث الأديان) في علاقة جدلية متكافئة بحيث لا يغلِّب الكشوفات العلمية على النصوص ولا النصوص على الكشوفات, فلا يعطي أحكاماً قطعية بل يعتبر العلاقة من القرائن التي تساعد في فهم إحداهما تجاه الآخر.
ب ـ الإفادة من مناهج العلوم الإنسانية وخصوصاً الفلسفية والألسنية, فمما لا شك فيه أن البحث الفلسفي الغربي قد تقدم كثيراً في مجال المناهج (methodology) وفي مجال نظرية المعرفة (Epistomology) , فهو يحاول أن يؤصل لنظرية المعرفة والابيستمولوجيا في الدرس الأصولي, ومما لا شك فيه أن هذه المهمة عسيرة جداً لأنها سوف تقلب موازين هذا العلم وتجعلنا نعيد النظر في أغلب أسسه وقواعده العامة, وللإنصاف أن هذا هو المطلوب منا اليوم فعلم الأصول ومنذ صاحب الكفاية لم يتوسع عمودياً بل أخذ في السير أفقياً عن طريق توسيع المطالب وتفريعها وزيادة الفرضيات الترفيّة. والنتيجة أصبح علم الأصول يغوص في الجزئيات ويجتهد في الفرعيات إلا أنه مقلد في المباني العامة والأسس الفلسفية والفكرية التي يستند عليها أساس هذا العلم في وقت أن الشيخ قد أفرغ علم الأصول من المنطق الأرسطي الذي اعتمده الفقهاء والأصوليون أساساً لاستنباطهم الشرعي وحذف جملةً من المباني الأصولية وأبدلها بمبانٍ في غاية الجدة والإبداع أمكننا أن نقول معها أن الشيخ أتى بمدرسةٍ أصوليةٍ جديدة .
تأسيس الابستيمولوجيا في علم الأصول
لم يعقد شيخنا الأستاذ أبحاثاً خاصة وبعناوين مستقلة حول نظرية المعرفة( )بل يستنبط الآراء المعرفية من تضاعيف المسائل الأصولية فعندما يناقش في بحثه إحدى المسائل الأصولية المتعارفة ينتقل بعد تصوير المطلب وتحرير محل النزاع إلى الأسس العقلية العامة لتلك المسألة, ثم يناقش في تلك الأسس بأسلوب علمي تشكيكي نقضي وحلّي وهذا ما سنلاحظه في مسألة الخلاف بين الإخباريين والأصولين حول مسألة العقل.
بين الإخباريين والأصوليين (حجية القطع العقلي)
نسب إلى الإخباريين إنكار حجية القطع الحاصل من المقدمات العقلية وعدم عد العقل من الأدلة الشرعية( ) ويمكن إيجاز دعاواهم بما يظهر من كلماتهم بما يأتي:
1ـ إنكار الملازمة بين حكم العقل و الشرع.
2ـ عدم حصول القطع من المقدمات العقلية.
3ـ منع الشارع من الرجوع إليها وإن حصل القطع منها.
والمتحصل من ذلك سقوط دليل العقل من الأدلة الشرعية الأربعة وصيرورتها ثلاثة بل واحداً لعدم أخذهم بالكتاب إذا لم تدل عليه سنة, وعدم اعتمادهم على الإجماع اذا لم يكن المعصوم أحد المجمعين.
وذهب الاسترابادي إيضاً إلى عدم حصول القطع من المقدمات العقلية وخلاصة دليله على ما نقله الشيخ الأعظم (قدس) في رسائله, أنه يقسم العلوم إلى ثلاثة أقسام باعتبار الحس مقسماً, فمنها ما يكون بالحس الصريح كالعلوم التجريبية, ومنها مايكون قريباً من الإحساس كعلم الجبر والهندسة وعلم المنطق في بعض أبوابه, ومنها ما يكون بعيداً عن الإحساس, كأغلب العلوم الإنسانية (وفقا للاصطلاح الحديث) كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وبعض أبواب المنطق.
ودليل الاسترابادي أن القسمين الأوليين لا يقع فيهما الخلاف بخلاف القسم الثالث الذي وقعت فيه الخلافات والمشاجرات لأنه بعيد عن الحس. ومن هنا ذهب الاسترابادي إلى أن الخلاف ليس في الصورة بل في المادة أيضاً فعاصمية المنطق هنا لاتجدي نفعا لأن دائرة الخلاف ترجع إلى المادة المستندة إلى البديهيات فلو كانت هذه البديهيات والفطريات لاخلاف حولها( ) كما هو المدعى من قبل الأصوليين إذاً من أين جاء الخلاف ؟ لأنه المفترض أن كل بناء نظري استدلالي برهاني يرجع إلى قاعدة بديهية لا خلاف حولها فيجب أن تكون كل النظريات متوحدة بلا خلاف. والحال أن الخلاف والاختلاف هو واقع الحال في جميع نظريات هذه العلوم بل أصبح ذكر الآراء الخلافية في كل مسألة من السنن المتعارفة في الدرس العلمي.
ومن هنا يصبح التساؤل مشروعاً بأنه إذا كانت القواعد العامة بديهية لا خلاف حولها فمن أين جاء الخلاف الذي نراه في أغلب العلوم النظرية ؟ وإذا كانت غير بديهية ومحطاً للخلاف فلا بد من عاصم غير المنطق (صناعة البرهان) ؟ فما هو هذا العاصم وما هي ضوابطه وحدوده؟
ومن هذا المنطلق أصبح من المشروع أن نناقش في بداهة البديهي وفي عاصمية المنطق وفي مسلمات البحث الأصولي ولو على نحو الإشكال النقضي: وهنا يتقدم الشيخ بهذه النقوض:
1 ـ إن أغلب البديهيات مبنية على دليل عدم إمكان التصور أي عندما يقع الفرض الفلسفي خارج حدود التصور نلجأ إلى تقنينه كقاعدة بديهية أو ندعي أنه مسلمة فكرية وإلا لتسلسل البحث عن أسبابها والحال (إن كل ما لا يُتصوَّر لا يدل على عدم الوجود أو الاستحالة) وفي هذا المجال هناك شواهد كثيرة من العلم الحديث وخصوصاً في علم الفلك على وجود ظواهر خارج حدود التصور ولكنها بنفس الوقت موجودة ومحدودة .
2 ـ في مجال بداهة مفهوم العلية يورد سماحته إشكالاً نقضياً لطيفاً ودقيقاً وخلاصته, أنه من المسلم به أن الكون (جواهر وأعراض) يمر بحالة من التغير (سواءً الظاهري أو الجوهري) وهذا التغير بمختلف أشكاله سواء كان نمو أو حركة أو زيادة أو نقصان يستلزم تغير في العلة الموجدة. ومن هنا نطرح هذا النقض وفقاً للهندسة النظرية فنقول (لو فرضنا أن هناك مربعاً مصنوعاً من الطين وأردنا أن نغير شكل هذا المربع الطيني إلى شكل هرمي فهناك احتمالات ثلاثة هي أما أن يتعاصر الشكلان، أو أن تكون هناك فترة زمنية لايكون فيها هناك مربعٌ ولا هرمٌ، أو يتعاصر إختفاء المربع مع ظهور الهرم، فإذا قلت أن الشكل بين المربع والهرم مستطيل فأيضاً سنقول هناك احتمالان أما أن يتعاصر الشكلان أو أن تكون هناك فترة زمنية لايكون فيها هناك مربعٌ ولا مستطيل أو أن يتعاصر إختفاء المربع مع ظهور المستطيل وهكذا بقية الأشكال.ومناقشة الإحتمالات: الأول متناقض لأننا نريد أن نحول أحد الشكلين إلى الآخر فتعاصرهما يلزم التناقض وعلى الإحتمال الثاني لابد أن يأخذ الطين شكلاً برزخياً (فاصلاً) قبل أن يتحول إلى هرم ومن هنا ننقل الكلام إلى هذا الشكل الجديد ولنفرض أنه مستطيل فنقول إن المربع لايمكن أن يتعاصر مع المستطيل لأنه يلزم التناقض إذن لابد من فترة زمنية تتخللهما وفيها يأخذ الطين شكلاً برزخياً ليس فيه شكل وهذا مستحيل وأما الإحتمال الثالث فيعني هبوط الطين وارتفاعه في الوقت نفسه وهذا محال هو الآخر.. والنتيجة النقضية (هي أن مفهوم العلية لا يفسر حالة التطور والتغير بصور بديهية واضحة فلا توجد علة متقدمة أو متأخرة ولا مقدم ولا تالي بل هناك حالة أشبه بحالة التعاصر)
3 ـ النقض حول مبدأ (الترجيح بلا مرجح) إن هذا النقض يفيد كثيراً من الكشوفات العلمية الحديثة( ) , فعلى سبيل المثال (اذا كان هناك صندوق وأردنا أن ندفعه إلى الأمام فيجب من الناحية الفيزيائية أن يدفع الصندوق الفراغ الذي أمامه لأنه إذا لم يدفعه يلزم أن يكون امتداد الصندوق هو امتداداً للفراغ بالوقت نفسه أو أن يكون هناك فجوة بين الصندوق و الفراغ وهذه الفجوة ما هي إلا العدم والعدم محال إذن لا بد أن يدفع الصندوق امتداد الفراغ, و امتداد الفراغ يدفع امتداداً آخر وهكذا تؤثر هذه الحركة على مجمل الكون وهذا الإندفاع المستمر سيحتفظ بنفس المقدار والقوة, وهذا الاندفاع هو طاقة حركية وهي أحد ألوان الكهرومغناطيسية التي تعد من القوى الأربعة والتي من ضمنها الجاذبية. وهذه الطاقة الحركية الكهرومغناطيسة لا تفنى ولا تستحدث بل تبقى موجودة أو قل مخزونة في الفضاء بفعل الحركة المتواصلة, وبما إن الفراغ متصل كاسطوانة متصلة بحيث إذا تحرك أوَّلها تحركت نهايتها في الوقت نفسه كحركة فورية, فاذا كانت الحركة آنية وفورية أصبحت جميع تضاعيف هذه الحركة متعاصرة بلا فاصلة لإن الكل يحدث في آن واحد ومن هنا يختفي مفهوم العلة والمعلول بسبب التعاصر, وبالتالي تبطل قاعدة الترجيح بلا مرجح( )
وفضلاً عما تقدم فإن الشيخ الأعسم يؤمن بضرورة أن يكون المجتهد موسوعياً فللشيخ بحوثٌ علمية نشرت في خارج العراق منها (نسق رياضي لتوحيد العلوم والإستنساخ الضوئي وفسلجة النعاس فضلاً عن سبقه لكثير من الأبحاث التي تلقى رواجاً غربياً قد ألمح لها الشيخ في مؤلفاته العديدة مثل نظريته (الإيقان القهري) التي سبق فيها الغرب الذين وجدوا في الآراء التي يؤمن بها الآخرون بتزايد وإصرار وإيمان مفرط سوف تتحول إلى واقع ملموس بما يمنح الأمل للبشرية قاطبةً وولتسليط اضوء على الإستنساخ اضوئي سننقل لكم قول الأستاذ الأعسم إذ يقول:
(نظراً إلى أن الضَّوء إذا وفد على المنظر الطبيعي أو الوجوه الآدمية مثلاً فإنَّه ينعكس وفق معامل الإنعكاس كصور محلقة بعد أن توزَّع فيها الضَّوء الوافد على التركيب الذري لقشرة المنظر الطبيعي فطبع بطابعها كتركيب ذري مستنسخ باعتبار الفوتون من أساسيات الذرة فما أن يغادر هذا المستنسَخ كصور فإنَّهُ إذا صادفه لوحٌ أو حائطٌ فيه مثبتات الصور كنترات الفضة مثلاً فإنَّ هذه الصور المحلقة في الفضاء كطاقة متحركة معه يمكن إذا صادفتها جدران بها مثل هذه المثبتات عندئذٍ تنقلب إلى صور حسية منحوتة على الجدران وجاء إمداد إلهيٌّ تأييداً لما نقول إذ قال (ع) يتحدث عن مسجد السهلة (إن كلاً من الأنبياء والأوصياء صلّوا فيه وكانت طينتهم منه وحملت وجوههم زبرجدةٌ أو صخرةٌ منه) مضافاً إلى ذلك فإنَّ الأشعة غير المرئية كالسينية وغيرها تخترق وتفد على القشرات التالية لها فتعكسها كصور أيضاً وتقذف بها إلى الفضاء فلو أمكن تجميعها مع المحافظة على ثابت التناسب بينها جميعاً لأمكن أن نتلمس طنّاً من اللحم مثلاً نسخة عن الأصل أو منظراً مستنسخاً عن الأصل وجاء إمدادٌ إلهيٌّ آخر إذ قال الصادق عليه السلام هناك ألف ألف عالم قبل عالمكم وألف ألف آدم قبل آدمكم.
ابوفاطم الخيرالله
و الشيخ طاهر الوائلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق