الاثنين، 22 أبريل 2013

انتصاراً للشرق وللذات المبدعة ـ الشيخ عدي الاعسم


انتصاراً للشرق وللذات المبدعة
نص مقتبس من كتاب علم السؤال لسماحة الشيخ المرجع الاستاذ عدي الاعسم
الإبداع والعبقرية
عندما تناولنا مراحل (كاترين وبنيامين) بالنقد علقنا الحكم على ما يسمى بالاشراق لغاية وصولنا الى هذا الفصل الذي يعدُّ امتدادا للفصل السابق كذلك فإن المرحلة الثالثة من المراحل التي أوضحناها , بديل لم توضح فيها كيف تظهر الفكرة أو الفرضية وهل هي حقا تقفز الى الذهن كلمحة خاطفة ؟ لهذه الأسباب وأسباب أخرى. وجدت أن ندرس الابداع دراسة تهتم بالمصادر التي يتحدر منها وندرس كذلك النظريات التي تحرص في حكره على قطاع دون قطاع آخر. وفي البدء تصادفنا نظرية الالهام لتقادم زمنها وذيوعها الهائل للغاية. ويميل الاعتقاد انها ذات منابع ميثولوجية. بدأت في الشرق , ونضجت بين كهنة بابل ومصر وقد تكون بالنسبة اليهم كرمز معنوي لسخاء الآلهة التي تخصص به فرد دون آخر وقد نجد هذا واضحا في حكاياتهم ومدوناتهم وعلى بعض تنبؤاتهم المترتبة  على أحلامهم كما يعتقدون. أو في الوظيفة التي ليس بوسع أي شخص ان يشغلها في الغالب بل انك لتجد أحيانا واضحا في العقائد الشرقية الطوطمية. ومهما يكن من أمر هذا النشوء , فأن الفرضية يحددها البعض كـ (جوبلو) بأنها طفرة في المجهول وخطوتها غير واضحة وليس لها طبيعة محددة المعالم انها تغمر الانسان وكفى. ومن المفارقات انها بعد أن يصبح لها مد ثقافي كبير , تستغل أسوء أستغلال لمحاربة الشرق نفسه.ولعل الرجل الذي أشتهر قبل غيره في الوقت الحاضر عن وصف الإلهام , كان (بوانكاريه) حيث أفاض برواياته وحكاياته معتقدا أن الكشف يغمره فجأة في حالات بعيدة عن ظروف التفكير والتأمل كأن يكون خلال سيره في الشوارع. وعين المعنى بقصده أيضا الشاعر (كولردغ) وأمثاله. وهذا الالهام يقصد به بالطبع نفح من الوحي أو التقمص بدور الأنبياء (للإيحاء بالتفوق) يدفع بهؤلاء المبدعين للقول بما يسمى بالوحي أو الإشراق ؟! وأيا كان , فقد نوقش الالهام كثيرا وأظهر التحليل , كيف يكون الاشراق عادة مسبوق بمعارف واسعة لنفس الموضوع المدروس وبتصنيف عقلاني له وتنسيق برهاني , يكون كل ذلك كأختمار للابداع ودعم هذا التحليل وعزز بأمثلة عينية ساطعة تزخر بها مراجع علم النفس. كما نستطيع نحن أن نناقش بملاحظاتنا ذلك اذا كان الالهام من مواصفاته اللمحة الخاطفة والاشراق المباغت. فاننا نجد في البراهين الاولية عين المواصفات. وكيف لنا أن ننسى عندما نناقش الآخر , يمكن أن تظهر له مغالطاته أحيانا بمثل الحالة المباغتة التي تنسب للإشراق ؟! خصوصا أن ذلك يكون مسبوقا بتأمل وتفكير كما هي الحال مع الاشراق. فضلا عن أكثر الذين يمارسون عمليات البرهان , لا يدركون وقت هذه العمليات , الأمر الذي يعني ان وصولهم الى النتيجة يعد عنصر مفاجأة لهم والا هل نحن في وضع ندرس فيه علم المنطق بحيث نعرف النتيجة الصورية المتضمنة في المقدمات ؟!. وبذلك وفقا لمنطق الالهام يجب ان نمد نطاق الأخير ليشمل أكثر الخطوات البرهانية وعندئذ ستكون لفرضية الالهام وظيفة أبستمولوجية الى جانب وظيفة أيضاح الابداع بمعنى أنها ستكون من صلب نظرية المعرفة لا بل ستلتقي مع نظرية التذكر (لافلاطون ) 427-347 ق.م التي فسر بها المعارف بإرجاعها الى المثل نفسه هذا إن لم تقل إن (افلاطون) كما يبدو كان واقعاً تحت تأثير الشرق كغيره بنظريته هذه المماثلة لمعنى الإلهام. والامر مفهوم على هذا النحو سيعني  أنه لكي نثبت ما يسمى الإلهام علينا بالرجوع الى العمليات الاستدلالية والتساؤلية والبرهانية ولكن هذه العمليات تثبت بالرجوع الى الإلهام كما تقدم , الشيء الذي يعني أننا  نفترض دائما صحة ما نريد أثباته ومن النظريات التي تدعو إلى احتكارية الإبداع لم يكن وراءها الا ترويج سياسي مقنن للمساعدة على نهب الشعوب المسحوقة كما كان يفعل الفرنسيون مع الشعب الجزائري. وهنا أود أن أسأل: لماذا يشهد القرن العشرين على وجه الخصوص , هذا العدد المذهل من الكشوفات والاختراعات المتمثلة بالالكترونيات والذرة وغزو الفضاء والهندسة الوراثية. وما يؤمل منها لاستنساخ الانسان أو شفائه بما يسمى ( بالتكاثر الخضري) كما يحصل لحيوان (الهايدرا) هذه الانجازات الهائلة اين كانت اذا كانت أوربا وحدها خزينة بالمبدعين ؟! وأين كان هؤلاء عبر القرون التي سبقت عصر النهضة ؟! وكيف مكثت هذه العبقرية كل هذا الوقت ولماذا ؟!. لا تقل بالأسباب المناخية والسياسية والاقتصادية وذلك أن عصراً كعصر آباء الكنيسة ينجب رجالاً من طراز القديس (أوغسطين ويوستسنوس وكليمان)  لقادر أن ينجب أمثال (بلاك وأديسون وأريكسون) وأن عصراً كعصر الوسيط يكون حافلاً  بنشوء الجامعات والمدارس والكليات أمثال (أكسفورد و سوربون) أو يكون حافلا بميلاد الدومينيكان أمثال (توما الاكويني 1225-1274 والبرت الأكبر) وحافلا بـ (بوريدان وساكسوني واوريزوم) الذين كانوا تلاميذ بررة للفلاسفة المسلمين ليس له أن يتباين مع منجزات عصرنا الراهن ومن العصر الوسيط. لاتقل لي أن ما يشاهد من الكثرة الكاثرة من المخترعين والمكتشفين في هذا القرن مرده الى التقدم العلمي المتزايد الذي قدّم الأدوات والسبل المهمة للكشف والابتكار. كلا لا تقل مثل هذا القول. ذلك أن من المكتشفات والمخترعات ما لا علاقة له بما يسبق من إبداعات عصر النهضة كنظرية نيوتن التي يظن من نتاج ما تم من عصر النهضة , قد سبقت بأفكار تقريبية قام بها (جون بوريدان) نفسه في القرن الرابع عشر وكذلك مع نظرية الحديثة لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس. لقد قال بها قديما (أرسطوغروس) نفسه لا بل إن الهنود قدَّروا قطرها بما يماثل الحسابات الحديثة لها ناهيك عن القياس التقريبي  لمساحة الأرض الذي تم بزمن المأمون. بل ماذا مثلا عن بحوث (ابي الفتوح الخازني) حول الميكانيا والفلك واشارته الى الهواء ووزنه وهي البحوث التي سبق بها (بورتشللي) وغيره خصوصا وقد مهد الى أختراع الباروميتر والمضخات هذا فضلا عن ميكانيا (الجزري) التي كانت أساسا لأوربا في مجال الميكانيكا والتي كانت أساسا للعرب في أختراعهم المثير لساعة هارون الرشيد غاضّين النظر عن أكتشافات أخرى كثيرة مثل الدورة الدموية (لابن النفيس) واختراع البارود وباختصار نقول إن الابداع لا يعتمد دائما على خلفيات تسبقه . فقد اكتشف (مكسويل) مثلاً الأمواج الكهرومغناطيسية بمساعدة العقل وحده تقريباً حتى استطاع (هرتز) بعد ثلاثة عشر عاماً أن يعزز ذلك بأجهزته وعين الأمر فعله (مندليف) في أكتشافه الهليوم والجرمانيوم في التنبؤ للإشعاع , كما ان أكثر المخترعات التي تأسست على أكتشاف الكهرباء من الغريب أن لا تظهر من قبل. اذ الكهرباء نفسها لم تكن من المعقول أن تختفي عن أبصارنا كل هذا الوقت الطويل الذي سبق التساؤل البسيط عن أرتعاش ساق الضفدع , لا بل إن القوة البخارية التي تعتبر أحد أهم الابتكارات الحديثة لم يكن من المعقول أيضا أن تنزوي طوال هذه العصور كلها بعد أن أخترع (هيرون الاسكندري) قديما هيكلا مصغرا لها. ولماذا تأخر أختراع الحاكي كثيراً عن أكتشاف نظرية التموج للصوت([1]), إن السب الرئيس في ذلك كما أرى هو أن الصور والانطباعات سيكون لها هيكل واقعي , يتعزز بشدة التركيز المكثف لأن التركيز والتصور لا يعدو عن أن يكون له وجود فيزيائي. (هذا التركيز له قواعده التي وضعها مثلا أقطاب اليوغا والباراسايكولوجي. وان كان هؤلاء لا يعلمون ماذا يعني التركيز ولماذا يؤدي عمله المدهش) حتى يبعث في الصور الخيالية ثوباً من التجسد كما يحصل لـ (يسنغ) البولندي بتمكنه المذهل في الظهور بأي شخصية يشاء.
هذا وإن كان يدل على شيء , فهو يدلنا على ثمة شيء بالغ الأهمية. إنه يستطيع أن يفسر لنا مثلا لماذا تختفي أمام أبصارنا محتويات معينة لغرفة طالت إلفتنا لها وسندعو ذلك بالاخفاء الذاتي. وليس ذلك الا لأن دخولي المستمر للغرفة ومشاهدتي المتكررة لمحتوياتها وديكورها وأشكالها الهندسية , ترك لدي تصورا مألوفا لدرجة يصعب عليّ أن أدرك شيئا آخر لم أشاهده من قبل لسبب ما , ويتحذر هذا الاخفاء الذاتي كلما تكرر دخولي للغرفة. اذ ان دخولي للغرفة المستمر من شأنه أن يغنيني عن التطلع اليها طويلا , بل سأنظر اليها نظرة اجمالية آخذة بالتضاؤل باستمرار أعتمادا على تصوراتي السابقة اليها. أنك لتجد بعض الحيوانات ولا سيما الطير يتطلع كثيرا في مكانه الجديد. ولهذا السبب فان تلاحم التصورات السابقة مع التصورات الحاضرة الاجمالية سيجعل من الاخيرة مصدر ايجاد لدرجة كبيرة من التركيز في الاولى مما سيعمق تصوراتي السابقة للغرفة حال دخولي لها والان اما أن تزول التصورات السابقة أو تزداد تركيزا اما الاولى فليست من الصحة في شيء وهل يمكن أن تنتهي الى العدم. اذ انه كما لا يمكن ايجاد شيء من لا شيء كذلك لا يمكن للشيء ان ينتهي الى لا شيء ولا يمكن أيضا أن يفسر هذا الزوال كنسيان في قاع الذاكرة , كلا دخول الغرفة ومشاهدتها سيكون حافز للتذكير على الاغلب. أما الثانية صحيحة نظرا لأن تصوراتنا السابقة بما تحمل من أنطباعات واقعية ستزداد واقعية بتلاحمها مع التصورات الاجمالية الحاضرة حيث سيكون بمثابة تجديد لحيويتها وتكثيف في كتلتها كحاصل جمع لتكررالتصورات الحسية باعتبارها ظاهرة كونية, الأمر الذي سيشكل معه طبقة من التصور الواقعي من شأنها أن تحجب تلك الاشياء التي لم نرها من قبل خلال الفتنا للغرفة وبالتالي تعمق من الاخفاء الذاتي وهذا سيفسر أخيرا ما كنا نرمي اليه من هذا الفصل , أجل نستطيع أن نقول الان أنه لما كانت المبادئ والافكار والقوانين التي يبحث عنها الباحث والمبدع تختفي عادة في وجود طالت الفتنا له أيضا فلماذا لا نجرأ أن نطبق ما قيل قبل قليل على مشكلة هذا الفصل ؟!. وليس أدل على هذا الكلام من أسلوب قراءتنا لمراتب المئات والآلاف. فنحن نقرأ ونكتب في العربية من اليمين الى اليسار على عكس من اللغات الهندوسية وغيرها ولا شك أن الفتنا لذلك قاعدة لا نرغب للخروج عليها. لكن من الغريب حقا أننا لا ندرك في الأغلب ان قراءتنا وكتاباتنا للمراتب المذكورة تكون عكس هذه العملية هذا على الرغم من ممارستنا اليومية لها. ويستطيع القارئ الكريم أن يلاحظ ذلك ويلاحظه بين أصدقائه كما لاحظته بنفسي. لقد كان اذن للاخفاء الذاتي دوره الواضح , فقد تخفى نظام الارقام في العربية بسبب الشروع المألوف المتكرر من اليمين الى اليسار. والا لماذا لا يحدث مثل هذا التخفي (كان يظن أنه من اليمين) في اللغات الاوربية ؟!.
وبوسعنا أن نمد نطاق هذا التفسير الى الخطأ الواضح الذي ارتكبه علماء الفلك وباقي العلماء والباحثون في تسليمهم المتسرع بتصادم مذنب (بيلا) مع الأرض كما سبق. وليس ذلك الا لأن الاخفاء الذاتي قد جاء نتيجة تصورنا المألوف عن حركة الأرض في المدار المرسوم لها. وقد أخذ هذا التصور بالتجذر بمرور الوقت وتألف معنا حتى توقعنا الكارثة لمجرد اطلالة المذنب (يود) المرور على نقطة في مدار تصورنا كما لو كانت الأرض تملؤه وحدها دون أن تسرع للتساؤل عن موقع الارض أين ستكون ساعة أحتكاك المذنب بتلك النقطة. صحيح إن الرعب وحده قد يعمل عمله ويترك الارباك في أعتى العقول لكن من العجب العجاب أن يحدث ذلك مع جمهور حاشد من العلماء المفكرين والفلاسفة كما أن هذا الرعب كان نتيجة لفكرة التصادم وليس سببا لها. اننا ازاء هذا الموقف لا نستطيع أيضا أن نسلب من التسرع وعدم التروي دوره , ولكن من الاحتمال البعيد أن يكون هذا الدور هو السبب الرئيس في دفع مثل هذا القطاع الكبير من العلماء لعمل ذلك مثلما لا يمكن أن يكون التسرع وحده هو الذي أقعد الشعوب القديمة بكاملها من محاكاة مصر مثلا في أنجازاتها العلمية والا لماذا لم يقعد اليابان من مساهمتها الفعالة في حضارة قرن العشرين ؟!. وهكذا سيكون على الباحث والمبدع أن يغوص عميقاً في أنطباعاته المألوفة عن معارفه المعادة دائما أبدا لينفذ خلال التأمل الطويل الى روايات الكون وأشكاله مزيلاً عنها غبار الإخفاء المتراكم إن جاز التعبير تشفع له في ذلك رغبته الملحة في رؤية ما لا يرى عزاؤه في هذا طموح العظماء ومتاعب المشاهير. وهل كتب على النوابغ المهرة الركون الى الراحة وتسريح الفكر والعيش مع المباشرة واللهو ؟!.
       لقد تم التثبت مثلا خلال اختبارات الذكاء بأن معامل الارتباط بين قدرات السمع والموسيقى كبيرة بحيث تفوق حصراً غير الموسيقى الأمر الذي يعني ان (شوبان) مثلا يتمكن ان يغوص في عالم السمع بما يتجاوز (ديكنز) كروائي وقد تكون هذه القدرات نتيجة الاهتمام المركز للسمع من قبل الموسيقى وعندئذ يصبح بمقدوره من القضاء على الاخفاء فيما يخص السمع الى ذلك فأن الطفل في السنوات الخمس الاولى يتحجر له جهازه العصبي لو ترعرع في الغابة مثلا مع الحيوانات بحيث لا ينفع معه مختلف الوسائل التعليمية بما يعني أن الطفل يولد كما أرى وجهازه العصبي غير مغلق وراثياً وإلا لاستغنى عن والديه وبيئته الاجتماعية وعندئذ فإن الافكار باعتبارها ظاهرة فيزيائية (بعيدا عن الجدل الفلسفي) لها ما للظواهر الفيزيائية الأخرى من تأثير وتفاعل كالماء والحجر والنار أقول إن وجودا كالأفكار المتمثلة بالتوجيه يبلغ من التكاثف درجة بحيث يتفتح أمامه الجهاز المذكور ولذلك يبدو أن كل شيء مغلق وراثياً فيما يخص النمو الثقافي العقلي يمكن أن يعالج بتركيز متعاظم من التوجيه التربوي المباشر والتعليم الفائق وعندئذ يمكن النهوض بالشعوب المتخلفة تكنولوجيا بتصميم فولاذي وضغوط متزايدة من المتابعة والاشراف والترغيب بل ومعاقبة المتحجرين في حدود تبرر ذلك بأعتبار ما تسامح به الأخلاق بل مقولة الحاجة أم الاختراع تبرر ذلك بأعتبار أن الحاجة من ضروب الضغط الملح. وحذار من ثبط العزائم والركون الى الإعلام المضاد والا فأن الغباء الصناعي الذي رافق اليونان كانت وراءه فكرة حقيرة تزدري العمل التي ترفض لو كانت سبباً قائماً بذاته بقدر ما تكون نتيجة للاخفاء الذاتي وبذلك نتمكن أن نقول إن السبب الذي حال دون قيام الشعوب القديمة من مجاراة بابل في عطاءاتها العلمية المدهشة المتمثلة في علم الفلك وشق الترع والقنوات الداخلية وهندسة الزراعة البارعة كما في الجنائن المعلقة أو اهتدائها للبطاريات وكما في الجسر الحجري المدهش الذي يعد أقدم جسر والذي أستخدم في تثبيته الآجر بل أن الحضارة الآشورية قدمت في مجال الانسانيات قدرا سبقت به للقرن العشرين مثال ذلك كتاب الأحلام الذي كان في مكتبة (بانيبال) الذي ذكر عنه الامريكي (ليو أوينهايم) بما معناه أما أن فرويد أفاد منه أو كان توارد خواطر.  كما أن السبب الذي أقعد تلك الاقوام من مجاراة مصر في تقدمها العلمي كما في تمكنها من التحنيط المعجز وتمكنها المقتدر في صناعة الالوان وبناء الأهرامات وأستغلالها الطاقة الشمسية في إحدى تماثيلها الذي كان يصدح بالموسيقى صباحاً. أقول إن السبب الرئيس في ذلك هو نفسه الذي أحال دون نهوض الشعوب السامية الآن من مجاراة حضارة أوربا الحالية ولن يكون ذلك سوى أننا اذا لاحظنا صفة صادف ظهورها بأضطراد في مجموعة معينة (كما لاحظنا أسلوب قراءتنا من اليمين) بلغ بنا الاعتقاد من الرسوخ بحيث نعتبر هذه الصفة لصيقة هؤلاء القوم وحدهم. ويستمر هذا الاعتقاد في النشوء حتى يأخذ شكل الاخفاء الذاتي , لدرجة يصبح تصوره الواقعي حاجزاً يخفي علينا أمكانية تعميم تلك الصفة الى الأقوام الأخرى. صحيح انه قد يحصل أن يتفوق فرد من شعوب العالم الثالث مثلا ويأتي بعمل ما لا يقل عن أعمال العباقرة ولكن ذلك الاخفاء جاء على أساس من اخفاق جماعة وليس فرد كما أنه يمكن أن يهمل أيضا عملا بالقول المأثور (مغنية الحي لا تطرب) كما حصل مع (بافلوف) يوم كانت روسيا البيضاء شبه دولة زراعية. غير أنه ما أن تعدد ظهور أمثال (بافلوف) وغيره وقبله (مندليف) حتى تحقق الرقم الذي حمل معه المؤشر على أكتساب صفة الدولة الصناعية وقد تحقق هذا الرقم في اليابان بجدارة أعاد للأذهان مكانة آسيا الأصيلة عبر التاريخ كله ويكاد في الوقت القريب أن يتحقق ذلك في العنصر النسوي كما تمثل الان في (مدام كوري) مفخرة الحضارة و(أيفين كوري واليزابيث وأجاثا كرستينا) و(العراقية زهاء حديد المعمارية البارعة) وأخريات ولنا أن نأسف به كيف أن المرأة عبر الزمن بطوله كانت تعامل بأضطهاد مستمر من قبل الرجل الذي أظهر أغلبية أمثاله الروح الجبانة المستبدة كما أن اشرافها الدائم لادارة البيت ورعايتها المستمرة للأطفال بل ومساهمتها الملحوظة لعمل الرجال كما يحصل في الريف كان لها دور واضح لا يقل عن حكاية تحرر المرأة وخروجها للعمل ومزاولة الوظائف جنبا مع الرجل. اذ ان المرأة لا زال مطلوب منها الشيء الكثير فقلما يتعاون الزوجان بعد أنتهاء عملهما كما لو تسنأنف عملها الوظيفي في البيت وشؤنه على حين يخلد الزوج الى مشاغله الذاتية ألا ترى في هذه العوامل المزمنة مضافا اليها حكاية تفوق الرجل العقلي , حاجزا سميكا بوجه المرأة عزز في أعماقها الاخفاء الذاتي منعها من اللحقاق بأخيها الرجل؟!. كان إذن الاخفاء الذاتي في جملة من الظواهر الأجتماعية التي زعم لها الآخرون ما شاؤوا وكان دوره واضحاً في تأخر أوربا في العصور الغابرة وكان هو الذي حصل المؤشر لأكتسابها في التفوق مفسرا لنا تفوقها الملحوظ في القرن العشرين على وجه الخصوص مضافا الى ذلك فأن معظم الكشوف والابتكارات لا تعدو أن تكون مجرد عمليات منطقية ورياضية ليس فيها شيءٌ خارقٌ لكن المترفين الذين لم يتعبوا أنفسهم في تأمل الاجراءات البرهانية طبلوا وبالغوا في ذلك فـ (هيرون) مثلا شاهد أن غطاء القدر يرتفع بفعل البخار المتصاعد فصنع عن طريق حجة التمثيل ظروفا مناسبة بأن ثقب مركب صغير بحيث جعل بخار الفحم يتحرر بشكل أفقي ليتحرك المركب كرد فعل ويبدو أن (جيمس واط) أفاد منه ومن غيره فيما بعد عندما صمم مع غيره المحرك البخاري وعند النظر الى مثل هذا النشاط الابداعي نجده يعتمد مبدأ الفعل ورد الفعل وحجة التمثيل أساسا له بمثل الأساس الذي أعتمد لعلاج (الشيزفرينا) مثلا والاكتئاب الدوري من خلال الصعق الكهربائي بناء على مشاهدة عدد من الانفصاميين الذين تنتابهم بين فترة وأخرى أعراض شبيه بمن يتعرض لتيار كهربائي بحيث يستردون مؤقتا شيئا من قواهم العقلية وسعادتهم , أي عمل خارق في هذا وأي إعجاز. لا سيما اذا علمنا ان الكشوف الضخمة التي قام بها عدد من السامين كـ (انشتاين وداروين) ولم يكن لهم في أوربا غير المأوى.
       إن العقل الأوربي مفكك لا يخضع الى سياق علمي موحد كل أختصاص يتباعد كما لو كان جزراً مغلقة آخذه بأنقسامات أخرى مغلقة وأن مثل هذا الشتات يعكس قلقاً حضارياً مشتتا يتلكأ في الإشراف المتكامل على مجمل الأنشطة الثقافية والعلمية ولقد رأينا العشرين سنة الأخيرة لم يسهم الغرب بانجازات علمية متميزة كالسابق ونذكر أنه مضى وقت طويل كانت فيه الشعوب الآرية تعيش في أوربا بما يماثل أصقاع سيبيريا خصوصا بعد العصر الجليدي الأخير بحيث كانوا يغرقون أحيانا في سبات من النوم الطويل لا يجلسون الا لتناول الوجبات المتباعدة وقضاء الحاجة وقد مضى على ذلك آلاف السنين الأمر الذي يجعلنا نميل الى أن الرقود الفكري خلال هذا السبات قد يؤدي الى ضمور نسبي للنشاط العقلي ضمور الوظائف الجسدية حال أنعدام أستعمالها إن الباحثين يؤكدون على امكانية التغير في الجين الوراثي خلال بضع آلاف السنين ويجب أن لا يقلق الأوربي فإن الغباء الوراثي علاجه الإشراف التربوي وتغليب الأفكار المثمرة نظرا لمادية الأفكار. ويسود الأعتقاد أن الحضارات حققت أبداعات ضخمة متواصلة عبر العصور الخوالي في وقت تغيب أوربا ولم تسهم بشيء يذكر فهل حقا كانت تعاني من الغباء آنذاك ؟! ثم نهضت وأبدعت وتواصلت فهل يحق لمن غابت الآن من الشعوب الأخرى أن نصفها بالغباء ان من يتعكز على منطق الحضور والتغيب , عليه ان يعترف بالتفوق لمن تكون له الريادة حيث يكون العبء الأكبر للمؤسس وليس من ريادة فعالة في التاريخ الا لبابل ومصر وبخصوص بابل مضافا إلى الاسهامات المذكورة نشرت بجريدة الثورة في 29/5/2002 أن الأمريكي (موريس شايتلان) يبدي أعجابه الشديد أمام لوحات في نينوى تحكي بشكل تقريبي عن الشمس والكواكب الاثني عشر وبحدود تقريب المسافة بين القمر والارض التي لا تعدو ثانية ضوئية وثمة لوحة مسمارية مدورة تتحدث عن رحلة للإله (أنليل) جاءت فيها تعليمات مذهلة عن الملاح شأن الاقلاع عن الأرض والهبوط عليها. ويحدد الأمريكي الذي برهن أن العراقيين منذ الآلاف السنين عرفوا دوران الأرض حول الشمس ستشن نقاط على المثلثين في نفس الدورة منفصلين بخط منحرف بزاوية قائمة طريقا للطيران وعدد هبوط الرحلة وفقا لموقع مجموعة من النجوم ويرجع ترجمة كلمات وردت مثل (صاروخ) مع رسم له مضافا الى كلمات مثل (والوقود والماء وكذلك الغلاف الجوي).



[1] -  حقا أن اليونان قديما أدهشت العالم كله بمفاهيمها الفلسفية لكن أن تخفق في مجال الصناعة ويبررون لها هذا الأخفاق بما عرف عنها بأزدراء للعمل اليدوي فقط. أو أن هذا الأزدراء ليس نتيجة للأخطاء كما سنذكر , فأن هذا لا يمكن القبول به. كلا أن الفيلسوف والعالم يزور عنه  لو كان يرى في العمل مجالا للأبداع كما هو الحال في العصر الحديث لأقبل عليه بكل جوارحه. ولماذا عنه الفلاسفة الوطنيون على وجه الخصوص اذا كان في مثل هذا الأبداع خلاصا لبؤس الشعب وسلاحا ضد العدوان الغاشم واذا كان الترف قد أوجد مثل هذا الازدراء للعمل فلماذا لم يتكرر الوضع من الترف البابلي وما يترتب من ازدراء مزعوم لماذا توازن النهوض الثقافي في كل الميادين في مجالات الأنسانيات والفلسفة والصناعة في العصر الذي سبق (تاتيان الآشوري) وأيا كان فأننا نقول لآؤلئك الذين يبررون هبوط الفكر الفلسفي أبان (عصر الهيليني) بالرجوع الى تفاقم الحالة الاجتماعية التي أفقدت الشعب صوابه وشلت التفكير في أعقاب هزيمة اليونان التي فقدوا فيها أستقلالهم وتهيأ (للأسكندر الأكبر) , السيطرة على شعوب الشرق. أقول لهؤلاء أن العبقري يتمكن في أحلك الظروف في الأغلب الأعم , أن يعلو على الطبيعة ويتسيد عليها متسلحا بصبر المبدعين وطموح الجبابرة وشجاعة (غاليلو) ومثابرة (داروين) وأمل (كوبر نيكس) ومهما يكن الأمر فأنه أود أن أقول أيضا لأدعياء التفوق. اذا كان عمالقة العلم المهرة أمثال (بيكون وديكارت ونيوتن وداروين) لا يجدون في العبقرية ثمة شئ دخيل أو وراثة .... فيما لهؤلاء الأدعياء من الأوربيين ولمشقة التألية للعباقرة المذكورين وجعل ما دون أوربا معدومي الموهب. أهو العجز عن الوصول لا قل هؤلاء العباقرة ؟ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق